المفردة الرابعة : ( إِلَى النُّور )
تقدَّم أنه بقرينة الإخراج من الظلمات في قوله تعالى : يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ تُقدّر كلمة الإدخال ، فيكون المراد أنه يُخرجهم من الظلمات ويدخلهم إلى النور .
والنور كالوجود أعرف من أن يُعرَّف ، فلا شيء أعرف منه لِيُعرَّف به ، ولكننا بصدد بيان معنى اللفظ لا الحقيقة ، حيث وردت فيه بعض الوجوه اللغوية ، منها : أنّه يأتي بمعنى الضياء ، وتُقابله الظلمة أو الظلام ، وهو مفرد جمعه أنوار ، وأما فعله فهو : نار وأنار نوراً وإنارة ، واستنار ، أي : أضاء « 1 » ، فيُقال : أنار الشيء واستنار بمعنى أضاء ، ويقال نوَّرت الشجرة وأنارت أيضاً ، أي : أخرجت نورها « 2 » ، وقيل بأنَّ الضياء أقوى من النور وأتمّ ، ولذلك أضيف للشمس ، وقد يُفرَّق بينهما بأنَّ الضياء ضوء ذاتي والنور ضوء عارضي « 3 » .
والله سبحانه بذاته نور ، فالنورية اسم ووصف له ، كما في قوله تعالى : اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . ( النور : 35 ) ، وقيل بأنَّ معنى نوريّته سبحانه هدايته للعالمين ، وقيل : هو الذي يُبصِر بنوره ذو العماية ويُرشَد بهداه ذو الغواية ، وقيل : هو الظاهر الذي به كلّ ظهور ، والظاهر في نفسه المظهر لغيره يسمّى نوراً « 4 » .
وهو سبحانه لشدَّة نوره استحالت رؤيته ، وقد روى مسلم عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر أنه قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وآله : هل رأيت ربك ؟ قال : نورٌ أَنَّى أراه ) « 5 » ، وفي ذلك ردّ صريح على مُدَّعي الرؤية له ، ومن هنا
هامش
( 1 ) انظر : كتاب العين : ج 8 ، ص 275 .
( 2 ) انظر : الصحاح : ج 2 ، ص 838 .
( 3 ) انظر : مجمع البحرين : ج 4 ، ص 389 .
( 4 ) انظر : النهاية في غريب الحديث : ج 5 ، ص 124 .
( 5 ) صحيح مسلم : ج 1 ، ص 111 . هكذا ورد في المصدر : ( نور أنَّى أراه ) ، غير أنَّ السيد / / العلامة الطباطبائي كان له رأي آخر ، حيث روى ذلك عن مسلم بهذا النحو : عن صحيح مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيت ربَّك ؟ فقال : نوراني أراه ، أقول : " نوراني " ، منسوب إلى النور ) . الميزان في تفسير القرآن : ج 19 ، ص 34 . فالعلامة يُثبت الرؤية على نحو النورانية ، ومسلم يُثبت النورانية ولكنه ينفي الرؤية ، فمعنى قوله هو : إنه نور فكيف أراه ؟ انظر : لسان العرب : ج 5 ، ص 240 ، ولذلك نجد ابن حنبل قد أنكر الحديث بعد أن عجز عن توجيهه ، ووجه إنكاره هو كونه من القائلين برؤيته سبحانه يوم القيامة . علماً بأنَّ ابن منظور قد أخطأ في نقل رواية مسلم أو أنه عثر على نسخة أصلية تم تصحيفها ، حيث كان فيها : ما رأيت منكراً له ، وما أدري ما وجهه ، وهذا هو الأوجه والأنسب لكلمة ابن حنبل في كونه لا يدري ما وجهه بعد أن ثبت له صحّته وهو مخالف لمبانيه في حقيقة الرؤية . .