فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) ، وقد سُئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن هذه الفطرة القرآنية فقال عليه السلام : ( فطَرهم على التوحيد ) « 1 » ، فيعمل الإنسان على ستر صوت الفطرة الناطق بالتوحيد ومعرفة الله تعالى ، وهذا الستر هو مؤدَّى الكفر لغوياً ، وقيل : إنما سُمِّي الكافر بذلك للجحود ، كما يقال : كافرني فلان حقَّي ، إذا جحده حقَّه « 2 » ، وسوف يأتينا أنَّ هذا الستر والكفر قد يكون كفر الجحود ، أو كفر المعاندة ، أو كفر النفاق ، أو كفر الإنكار ، فانتظر « 3 » .
هذا ، وقد يُطلق الكفر ويراد به الشرك ، والعكس بالعكس ، ولكنَّ هنالك فرقاً بين الكفر والشرك ، فللكفر خصال كثيرة ، وكلّ خصلة منها تضادّ خصلة من الإيمان ؛ لِما عرفت من وجه المقابلة والتناقض بينهما ، وبمقتضى المقابلة فإنَّ العبد إذا ما فعل خصلة من الكفر فإنه يكون قد ضيَّع خصلة من الإيمان ، وأما الشرك فخصلة واحدة ، وهو اتخاذ إله مع الله تعالى أو دونه ، وقد كثر استعمال هذا المعنى حتى قيل لكلّ كفر شرك ، على وجه التعظيم له والمبالغة في صفته ، وإنما قيل لمضيّع الإيمان كافر لتضييعه حقوق الله تعالى من الإقرار بألوهيته وشكر نعمه « 4 » .
ثمَّ إنَّ الكفر لأنه ستر لأصل الحقيقة التي تتفرّع عليها جميع الحقائق الأُخرى فإنَّ مُرتكبه ما دام على كفره لا يُغفر له أبداً ؛ لقوله تعالى : إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
هامش
( 1 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 13 .
( 2 ) انظر : غريب الحديث : ج 3 ، ص 13 .
( 3 ) في التفسير التجزيئي والتفسير الموضوعي .
( 4 ) انظر : الفروق اللغوية : ص 454 ، رقم : 1823 . .