تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
يغوي غيّاً وغواية : إذا سلك خلاف طريق الرشد ، وغوى الفصيل يغوي غياً : إذا قُطِعَ عن اللبن حتى يكاد يهلك ، فالغيّ سلوك لطريق الهلاك « 1 » ، وهو ليس خفيّاً على أحد ، كما هو حال الرشد ، ولكنَّ الغفلة عادة ما تُوقع صاحبها في الغيّ ، وهو الغالب في مورد الغيّ ، كما أنَّ الإصرار على القدح بآيات الله تعالى مُوجب لذلك أيضاً ، وقد ورد ذلك في نصّ صريح جامع لمفردتي الرشد والغيّ ، وهو قوله تعالى : . . . وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ( الأعراف : 146 ) ، ومنه يتّضح بأنَّ الرشد طريق للطاعة ، ومحلّ الثناء ، كما أنَّ الغيّ طريق للمعصية ، ومحل الذمّ واللوم ، وفي ذلك أنشد البعض :
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائماً « 2 »
فيكون الغيّ بوابّة مُشرعة على الضلال والكفر بمعناهما العامّ ، كما أنّ الرشد بوابّة مُشرعة على الهداية والإيمان بمعناهما العامّ أيضاً ، ولعلَّ الفرق بين الغيّ والضلال هو أنَّ أصل الغيّ هو الفساد ، وأصل الضلال هو الهلاك « 3 » ، وقد عرفت بأنَّ الغيّ عادة ما يكون وليداً للغفلة والنسيان ، والغفلة هي تعبير آخر عن فساد أو إفساد الفطرة ، فلا يبقى هدف صحيح واضحاً ، بخلاف الرشد فهو إحياء وإيقاظ لها ، فلا يبقى مجال للفساد والضلال والتيه ؛ قال الطباطبائي :
هامش
( 1 ) التبيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 312 . ( 2 ) ذكر الشيخ الشنقيطي أنَّ هذا البيت من قصيدة لربيعة بن سفيان ، المُلقَّب بالمرقش الأصغر ، وهو عمّ الشاعر طرفة بن العبد ، قالها في قصّة جرت له مع بنت المنذر بن النعمان ، ومطلعها :ألا يا سلمي لا صبر لي عنك فاطما * ولا أبداً ما دام وصلك دائما .انظر : أمالي الشريف المرتضى : ج 4 ، ص 154 . ( 3 ) انظر : الفروق اللغوية : ص 392 ، رقم : 1577 . .