( إنَّ الضلال هو العدول عن الطريق مع ذكر الغاية والمقصد ، والغيّ هو العدول مع نسيان الغاية ، فلا يدري الإنسان الغويّ ماذا يريد وماذا يقصد ) « 1 » .
ولكن مع ذلك كلّه لا نجد ضيراً في إطلاق الغيّ وإرادة الضلال ، ولعلَّ منه قوله تعالى : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ( مريم : 59 ) ، أي يلقون ضلالًا وخيبة ، أو غيّاً عن طريق الجنة ، وقيل : الغيّ وادٍ في جهنم « 2 » ، وقيل : إنَّ الله تعالى قد سمَّى العقاب غيّاً في الآية الآنفة الذكر « 3 » .
فيكون المؤدَّى النهائي لمفردة الغيّ هو الفساد والضلال والهلاك ، والغفلة والنسيان ، والخيبة والعقاب ، وهو كافٍ في الكفّ عنه لكلّ عاقل مختار ، وبه ينتفي وجه الحاجة للإكراه ، كما تقدَّم ، وكما سيأتي ، فإنَّ من الدواعي الأوّلية للإكراه الإبهام والغموض والإجمال ، فإذا ما جاء الرشد في الأصل والفرع تعيَّن التحرّك باتجاهه فطرياً ، فضلًا عن كون الإكراه موجباً لغياب كمال الحقّ في نواقص الباطل .
ومن هنا يتّضح بأنَّ الدين الحقّ رشده ذاتيّ ، والدين الباطل غيّه ذاتيّ أيضاً ، ومن حُسن صنيع الله تعالى بنا أنه قد بيَّن للإنسان في كلّ زمان ومكان حقائق دينه القويم ، فكان دينه هو الرشد عيناً وحصراً ، والرشد كلّه في اتّباعه ، والغيّ في تركه والرغبة عنه ، وعلى هذا لا موجب لإكراه الناس عليه ، وكيف يُكره عليه وهو بنفسه يحمل في كلّ طيّاته أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد « 4 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 342 .
( 2 ) انظر : مجمع البحرين : ج 3 ، ص 341 .
( 3 ) انظر : كنز الفوائد ، للكراجكي : ص 49 . وأيضاً : بحار الأنوار : ج 5 ، ص 194 .
( 4 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 342 . .