دِينِي . . . ( يونس : 104 ) ، أي : في طريقتي التي أسلكها وأثبت عليها .
وفي ضوء ذلك يتّضح لنا أنه لا تُوجد ملّة أو كيان بشري إلّا ولها دين ، فحتى الملاحدة لهم دين ، وهو دين الجاهلية بحسب التعبير القرآني ، وهم يطلبون سعادتهم به أيضاً ، غاية ما في الأمر أنهم يُخطئون في المصداق لأسباب تراكمية تُخلّفها الموروثات الفاسدة والبيئة الملوّثة ، وغير ذلك من ظروف وأعراف وتقاليد تقطع الإنسان عن الحركة الجادّة باتجاه الحقّ .
وبذلك تكون المحصّلة من هذه المفردة والسابقة عليها هو نفي الإكراه في اتخاذ المنهج الحياتي ، ما دام الإنسان عاقلًا مختاراً ، ولا ريب بأنَّ الدواعي الفطرية تحثّ الإنسان للبحث عن كماله وسعادته ، وهذه السعادة لا تكون كذلك ما لم تكن منسجمة تماماً مع الكمال الأخروي ، لأنّ الحياة الأخروية هي دار القرار والبقاء ، فينبغي أن تُقصد من كلّ عاقل ، وأنّ الحياة الدنيا هي دار الممرّ ودار التزاحم والفناء ، وينبغي أن لا تكون هي الغاية في حركة الإنسان ، وبذلك نكون قد عرفنا مجمل حقيقة الدين ، كمنهج في الحياة الدنيا لكسب السعادة الحقيقية المتناسبة مع الكمال الأخروي « 1 » .
ثمَّ إنَّ الدين بمعناه الأوّل ، وهو الطاعة ، يُمكن توظيفه في المقام ، فيكون المؤدّى هو الطاعة للمنهج الذي يسير بنا باتجاه السعادة الحقيقية ، ولكنَّ السؤال الأهمّ إنما يتعلَّق بمصداق ذلك الدين والمنهج ، فلا يكفي إطلاق القول فيه ، وإلا وقع محذور الخطأ في تشخيص المصداق ، كما هو حال الملاحدة والمشركين والمنافقين .
وهنا نُوجز ذلك بكلمة واحدة سيأتي تفصيلها في الأبحاث اللاحقة من بحوثنا التجزيئية والموضوعية في موضوعة عدم الإكراه في الدين ، والكلمة هي أنَّ الدين المعنيّ في المقام هو الدين الخاتم ، الذي ختم كلّ كمال وجمال
هامش
( 1 ) انظر : التفقّه في الدين : ص 36 . .