منها جهة العموم فحسب ، وإنما قصد منها التوهين أيضاً ، وعليه فإذا كان الأمر غير ذي بال وتتوقّف معرفتنا به على تحقّق مشيئته وتعلّقها بذلك ، فكيف بالأُمور الخطيرة ؟
من هنا يتّضح لنا وجه عميق لكلمة الإمام زين العابدين عليه السلام : ( بك عرفتك ، وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ، ولولا أنت لم أدر ما أنت ) « 1 » ، وما جاء في كلمة الإمام جعفر الصادق عليه السلام :
( لا يُدرِك مخلوق شيئاً إلّا بالله
) « 2 » ، فمفاده بحسب الظاهر هو أنّ إدراكنا لأيّ شيء لا يكون إلّا بواسطة معرفة الله تعالى ، فمعرفة الله ليست علّة موجبة لمعرفة وتحصيل ما سواه اضطراراً ، وإنّما هي وسيط في استجلاء ما نريد معرفته وتحصيله اختياراً ، وكلٌّ بحسبه « 3 » ، وقد ورد في هذه المعرفة التوسّطية الاختيارية أخبار مرويّة عن العترة الطاهرة « 4 » .
هامش
( 1 ) من دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام .
( 2 ) توحيد الصدوق : ص 143 .
( 3 ) انظر : معرفة الله : ج 1 ، ص 266 .
( 4 ) انظر : بصائر الدرجات : ص 396 ، ح 5 .
فهذه المعرفة التوسّطية الاختيارية ثابتة لأهل العصمة من آل محمد عليهم السلام ، لِما هو ثابت عنهم من كونهم عليهم السلام أعرف خلق الله تعالى بالله ، وهم مع ذلك يعرفون ويُحصِّلون ما يرون فيه مصلحة ، كما أنهم عليهم السلام بواسطة هذه المعرفة يتزوَّدون آناً بعد آن ، فعن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول :
( لولا أنّا نزاد لأنفدنا )
. انظر : المصدر السابق : ص 412 ، ح 3 . وقد حُجب عنّا الكثير من معارفهم الإلهية الحقَّة لعملهم بالقاعدة المرويّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهي قوله :
( إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم ) .
والتي أكَّدها حفيده الإمام جعفر الصادق عليه السلام بقوله :
( ما كلَّم رسول الله صلى الله عليه وآله العباد بكنه عقله قطّ ) .
انظر : أُصول الكافي : ج 1 ، ص 23 ، ح 15 . .