فيها أن تكون حرف استئناف ، كون الجملة السابقة مثبتة ، والفاعل فيها هو الله تعالى ، في حين إنَّ هذه الجملة منفية والفاعل فيها هو الخلق بأسره ، فالاستئناف أقرب لمؤدَّى الجملتين ، والعطف أنسب بالسياق .
وأما ( لا ) فحرف نفي ، والمنفي هو نفس الإحاطة ، التي يُراد بها الإحاطة التامّة ، كما هو واضح ، وذلك لإمكان حصول الإحاطة الجزئية بعلم الله تعالى « 1 » . وبقرينة ما بعدها ( بشيء ) وما سيأتي من الاستثناء يصحّ كون المنفي هو الإحاطة التامّة ، فيكون المفاد : أنَّ الخلق بأسره لا يحيط بأيِّ شيء من علمه إلا بمشيئة منه تعالى ، كما سيأتي .
وأما الإحاطة في الجملة المنفية ( يُحيطون ) فالمراد منها المعرفة الإجمالية أو التفصيلية ، فإن قلنا بأنَّ الإجمالية مساوية للجزئية مع اختلاف النسب فإنها غير منفية ، لما عرفت من كونها القدر المُتيقن من تحصيل معرفة الله تعالى ، وإن قلنا بأنها المعرفة التفصيلية فهو ما لا سبيل إليه ، فعلمه تعالى بحيثية عينيّته للذات المقدّسة فهو مطلق لا حدَّ له ، والمطلق لا يُمكن الإحاطة به ، وإلا عاد مقيّداً ، فالإحاطة التفصيلية تعني الوقوف على جميع جهات الشيء ، والله تعالى لا جهة له لإطلاقه ، كما هو ثابت في مظانّه .
ثمَّ إنَّ الإحاطة قد تكون مادّية ، كما هو الحال بالنسبة لجدران الدار ، حيث يُسمّى كلّ واحد منها بالحائط ، وقد تكون إحاطة معنوية ، والتي تُفيد معاني مُختلفة ، منها : العلم بتفاصيل كلِّ شيء ، ومنها : حراسة كلّ شيء ، والنتيجة العملية لذلك كلّه هو أنَّ المُحيط لا يعزب عنه شيء ، ولا ريب بأنَّ هذه الإحاطة المعنوية لا تصدق إلا على الله تعالى ، كما حكاه لنا القرآن الكريم ، بقوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا
هامش
( 1 ) انظر : معرفة الله : ج 1 ، الفصل الثاني ، حيث تفصيل تقسيمات معرفة الله تعالى . .