تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ( سبأ : 3 ) ، ولذيل الآية أسرار وخفايا عميقة وكبيرة لا يسع المقام بتجليتها « 1 » . وهذه الإحاطة المعنوية ليست صورية أو اعتبارية ، وإنما هي إحاطة وجودية تكوينية ، وإلا كانت الإحاطة المادية أشرف منها ، وحيث إنَّ الوجود المعنوي الحقيقي المجرّد هو الأشرف وجوداً وآثاراً فإنَّ اللائق بالله تعالى هو وصفه بالإحاطة المعنوية العلمية الحضورية بكلّ شيء . ومن هنا يتّضح لنا سرّ آخر لعدم إحاطة الآخرين بشيء من علمه إلا بمشيئته تعالى ، لأنَّ ما عداه تتمحور إحاطته بالأشياء في إطارها المادّي لا المعنوي ، وتلك الإحاطة المعنوية الحقيقية لابدّ أن تكون منبثقة منه تعالى ، فاحتاج الأمر إلى إذن وإشاءة منه تعالى . والإحاطة بقسميها المادي والمعنوي تشتركان بمعناهما اللغوي ، وهو دوران شيء حول شيء آخر ، قال صاحب المقاييس : ( حوْط : الحاء والواو والطاء كلمةٌ واحدة ، وهو الشيء يُطِيفُ بالشيء ، فالحَوْط مِن حاطَه حَوْطاً ) « 2 » .
هامش
( 1 ) لعلّ السيد الأُستاذ يعني بذلك أنَّ الكتاب المُبين أيّاً كان مصداقه فهو غير الله تعالى ، فإذا كان ذلك الغير وهو مخلوق لله تعالى بطبيعة الحال قد أُدرج فيه كلّ شيء ، أي أنه حقَّق معنى الإحاطة بجميع الأشياء ، فإنه من باب أولى أن يكون الله تعالى مُحيطاً بكلّ شيء ، لإحاطته بذلك الكتاب على أقلّ التقادير ، والنكتة التي يُراد إثارتها عدم مكنة المُمكن من الاتصاف بالإحاطة بعالم الإمكان فكيف بالواجب ؟ فإذا ما التزمنا بحاكمية الإنسان الكامل بكمالاته على ما عداه من عالم الإمكان يتعيَّن لك من هو الأولى بالاتّباع ، بل من هو واجب الاتّباع ، وما عداه فهو أشبه ما يكون بخرط القتاد ، ولعلَّ هنالك أسراراً أُخرى أرادها ( حفظه الله ) من ذلك لم نلتفت إليها ، ونأمل منه بيانها في مظانّها . ( 2 ) انظر : معجم مقاييس اللغة ، لابن فارس : ج 2 ، ص 296 . .