المفردة الثالثة عشرة : ( من ذا الذي )
( مَنْ ) اسم استفهام مبنيّ على السكون في محلِّ رفع مبتدأ ، وهو لفظ يدلّ على العموم ، فهو يُطلق على كلّ فرد فرد من العقلاء على سبيل البدل ، ولعلَّ السرّ في عمومه هو درجة الإبهام التي تعتريه ، وصفة الإبهام هذه عادة ما تتّصف بها الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة إضافة إلى أسماء الاستفهام .
وأما مفردة ( ذا ) فإنها اسم إشارة حذفت منها هاء التنبيه ، فلك أن تقول : ذا الذي ، أو : هذا الذي ، وهو اسم يُشار به للقريب ، وقد تكون بمعنى : ( ذاك أو ذلك ) ، والأوّل اسم إشارة يُشار به للمُشار إليه المتوسّط البُعد ، والثاني للبعيد ، وأيّاً كان المُشار إليه فإنه فيه جهة إبهام واضحة ، وفيه دلالة على العموم البدلي ، فلا يُشار به إلى شخص بعينه .
وأما مفردة : ( الذي ) فإنها اسم موصول تُطلق على العاقل وغيره ، وهي تشترك مع ما تقدّم في جهة العموم والإبهام . وبذلك الاستغراق في رصد هذه المفردات الثلاث المُبهمة الدالّة على العموم ، يتبيَّن لنا النفي المطلق لأيِّ جهة تدَّعي لنفسها الشفاعة ما لم يكن مأذوناً لها . إنَّ الإبهام والعمومية البدلية بقوّة النكرة مضموناً ، وبالتالي فصاحب مقام الشفاعة غير المأذون له من قبل الله تعالى تحديداً ليس له صفة معرفية أو تعريفية ، فهو نكرة عُبِّر عنه بألفاظ ثلاثة ، كلّها مبهمة دالّة على العموم البدلي ، وأما الفاقد لمقام الشفاعة فلا معنى لتحصيل الإذن له ، فذلك منفيّ من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، أو الخارجة عن الحكم تخصّصاً لا تخصيصاً .
جدير بالذكر أنَّ مقام الشفاعة مرجعه لعهد معهود بين العبد وربّه « 1 » ،
هامش
( 1 ) ورد في قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً النبأ : 38 عن محمد بن فضيل أنه سأل الإمام أبي الحسن الماضي عليه السلام عن تفسير عدّة آيات ، منها أنه سأله عن هذه الآية ؟
( فقال عليه السلام : نحن والله المأذون لهم يوم القيامة ، والقائلون صواباً ،
قلت : ما تقولون إذا تكلّمتم ؟ قال :
نمجِّد ربنا ، ونصليّ على نبيّنا ، ونشفع لشيعتنا ، فلا يردُّنا ربنا ) .
انظر : أُصول الكافي : ج 1 ، ص 435 ، ح 91 . .