تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
العالية ، فجاءت الإجابة انطلاقاً من التسليم بمراتبية السنة والنوم ، وقد نبَّهنا إلى أنَّ نفي ما يقع مقدّمة للنوم وليس مرتبة من مراتبه يُضفي دقَّة في المعنى وقوّة في التعبير ، ولذلك يكون نفي ذي المقدمة عنه سُبحانه - وهو النوم نفسه - من باب أولى ، وترتيب قياس الأولوية أمر عقلائي ، كما هو الحال في قوله تعالى : . . . فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا . . . ( الإسراء : 23 ) ، فإنَّ قياس الأولوية في هذا المورد لا يُراد منه نفي الضرب - الذي هو مرتبة شديدة من الإساءة - فحسب ، وإنما من الأولوية أيضاً أن لا تنهرهما ، فنهرهما حالة أشدّ وقعاً على قلب الأبوين من كلمة أُفٍ ، وهذا واضح . وقد أجاب الفخر الرازي عن هذا الإشكال من خلال تقدير كلمة واحدة ، حيث يقول : ( تقدير الآية : لا تأخذه سنة فضلًا عن أن يأخذه النوم ) « 1 » ، وبالتالي فإنه يقبل بأصل الإشكال ويرفعه بتقدير كلمة ، وعلى هذا يُمكن تطبيق ذلك في جميع الموارد المشابهة ، من قبيل قوله تعالى : . . . مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا . . . ( الكهف : 49 ) ، أي : لا يُغادر الصغيرة فضلًا عن الكبيرة ، وهكذا . وأما الطباطبائي فله إجابة قيِّمة جديرة بالذكر ، حيث إنّه يقبل بأصل قاعدة الترقي ، ولكنه ينفي تعلّقها بحالتي النفي والإثبات ، فالأصل عنده صدق انطباق القاعدة القائلة بالترقي من الأضعف إلى الأقوى ، فإن صحَّ انطباقها انطبقت سواء كانت الجملة منفية أم مُثبتة ، وإن لم يصحّ انطباقها لم تنطبق سواء كانت الجملة منفية أم مثبتة أيضاً ، ولذا نجده يقول : ( إنَّ الترتيب المذكور لا يدور مدار الإثبات والنفي دائماً كما يقال : فلان يجهده حمل عشرين بل عشرة ولا يصحّ العكس ، بل المراد هو صحّة الترقّي ، وهي مختلفة بحسب الموارد ، ولما كان أخذ النوم أقوى تأثيراً وأضرّ على القيومية من السنة كان
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ، ص 9 . .