لا له ، فالشاعر أثبت السنة ونفى النوم ، فدلَّ ذلك على البينونة لا على المراتبية ، ولو كانت السنة مرتبة من مراتب النوم لما كان هنالك لزوم من ذكر النوم ونفيه بعد أن نفى عنه أدنى مراتبه ، وهذا واضح ، فالسنة حالة تسبق حالة النوم .
قال الطبرسي في السِّنة : ( وهو ما يتقدَّم النوم من الفتور الذي يسمّى النعاس ، وهو تأكيد للقيوم ، وبيان له ، لأنَّ من جاز عليه النوم والسنة لا يكون قيّوماً ) « 1 » .
وقال الشوكاني : ( والسنة النعاس في قول الجمهور ، والنعاس ما يتقدّم النوم من الفتور وانطباق العينين ، فإذا صار في القلب صار نوماً . . . والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السِّنة والنوم أنَّ السنة لا يُفقد معها العقل بخلاف النوم فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر . . . ) « 2 » ، وبالتالي فإنَّ السِّنة غير النوم ، كما تقدَّم ، وإن كانت تُعتبر من مقدّماته ، إلا أنها ليست من مراتبه ، كما تقدَّم .
وعليه فإنَّ نفي ذلك عنه سبحانه أبلغ في التعبير من نفي مرتبة من النوم ثمَّ ينفي النوم نفسه ، فنفي ما يقع مقدمة للنوم وليس مرتبة من مراتبه يُضفي دقَّة في المعنى وقوّة في التعبير ، ولذلك يكون نفي ذي المقدّمة عنه سُبحانه - وهو النوم نفسه - من باب أولى ، وقد جاء في كلمات العرب ما يُؤكّد كون السنة حالة فتور تسبق حالة النوم ، وليس مرتبة منه ، كما تقدّم في قول عدي بن الرقاع العاملي :
وسْنانُ أَقصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقتْ * في عينيه سِنةٌ وليس بنائم « 3 »
هامش
( 1 ) تفسير جوامع الجامع ، للطبرسي : ج 1 ، ص 234 .
( 2 ) فتح القدير : ج 1 ، ص 271 .
( 3 ) المراد من ( رنَّقت ) هو كدرت ، نحل : رنَّق الماء ، أي : كدر . انظر : تفسير الكشَّاف ، للزمخشري : ج 1 ، ص 296 . .