وقد عرفت الوجه فيه ، ثمَّ إنَّ مجيء جملة النفي للسنة والنوم تهدف إلى توكيد ما تقدّم من ثبوت القيُّومية لله سبحانه ، بمعنى أنَّ من مقتضيات قيُّوميته أن لا تُصيبه أو تأخذه سِنة ، قال صاحب الكشاف في قوله تعالى : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ : ( هو توكيد للقيوم لأنَّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيّوماً ) « 1 » ، ومن هنا تُرك العاطف بينهما ، فتركه يُؤكِّد الصورة التوكيدية ، كما أنَّ عدم تعرضه للسنة والنوم يحكي ويُؤكِّد قيوميته « 2 » .
هذا وقد أُورد في المقام إشكال ادُّعي شهرته ، وهو أنَّ تقديم السنة عل النوم قياس على خلاف المبالغة التي تقتضي نفي الحالة الشديدة ( النوم ) ابتداءً ثمَّ نفي الحالة الضعيفة ( السنة ) للمبالغة .
وقد أُجيب عن ذلك بأنَّ تقديم السنة جاء وفقاً لترتيب الوجود ، فالسنة سابقة وجوداً على النوم ، وبأنه على القياس وهو الترقّي من الأدنى إلى الأعلى « 3 » .
وهي إجابة جيدة إلى حدٍّ ما من جهة ملاحظة السبق في الترتيب الوجودي بين السنة والنوم ، إلا أنَّ المُجيب اشتبه عليه الفرق بين الترقّي في الجملة المثبتة والنفي في الجملة المنفية - بناءً على ثبوت هذه القاعدة في العلوم الأدبية واللغوية - ففي الإثبات يصحّ ما ذكره من كون الترقّي يكون من الأدنى إلى الأعلى ، حيث يُقال مثلًا : أكرم زيد عمراً بعشرة دراهم بل بعشرين ، وأما في النفي فعلى العكس تماماً ، حيث يُقال : لم يُكرم زيد عمراً بعشرة دراهم ولا بدرهم واحد ، ومن الواضح بأنَّ الجملة في الآية منفية ، فيقتضي الأمر تقديم النوم على السنة ، هذا أوّلًا ، وثانياً أنَّ هذه الإجابة لم تُنبِّه إلى إنَّ السنة ليست مرتبة من مراتب النوم حتى يُلحظ فيه الجنبة البلاغية فيكون نفي المرتبة الدانية كاشفاً عن نفي المرتبة
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 296 .
( 2 ) انظر : تفسير كنز الدقائق ، للميرزا محمد المشهدي : ج 1 ، ص 606 .
( 3 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 606 . .