في هذا الضمير ، وسوف يأتينا في تأويلات هذه الآية « 1 » ما يعنيه هذا الضمير في لغة العارفين والسالكين ، وكيف أنه تبوَّأ موقع العلَم ، بل هو أبلغ من العَلَم نفسه في الدلالة عليه ، حتى أنَّ بعض المريدين اقتصر ورده على : ( لا هو إلا هو ) ، وقد مرَّ بنا في تصويرات جذر لفظ الجلالة أنَّه مأخوذ من ( الهاء ) فقط ، وقد قلنا هنالك بأنه معنى وجيه ، وفيه جذور صوفية ، ورمزية عميقة تتعلَّق بالكمال الذاتي والفيض السرمدي أُشير له بتشكيلة الحرف برسمه الأوّلي ، وقد وعدنا بالتعرّض له في مُناسبة أُخرى ، وهو ما سيأتي في التأويلات .
ما نُريد بيانه في معنى الضمير ( هو ) أمران مهمان ، وهما :
الأوّل : إنَّ الضمير ( هو ) يشتمل على غموض وإبهام رغم أنه من المعارف ، بل إنَّ الضمير وفقاً لمشهور اللغويين من أعرف المعارف ، مع أننا نستقرب كون العلم هو كذلك ، وأنَّ أعرف الأسماء مطلقاً هو لفظ الجلالة .
وعلى أيّ حال ، إذا كان الضمير فيه نوع إبهام وغموض ، فهل ذلك يُقرّبه من عالم التنكير باعتبار أن النكرة اسم مُبهم لا يُمكن تعيّنه في الخارج ، كقولك : رأيت رجلًا ، فلا يُمكننا تعيين مصداقه ، فهل الضمير ذلك في المقام ؟
الصحيح هو ليس كذلك فيما إذا كان مسبوقاً بعلم ، وأنَّ الضمير عائد إليه ، كما هو الحال في الآية الكريمة ، بخلاف ما لو قلنا : رأيتُ رجلًا يقرأُ كتاباً ، فإنَّ الضمير الفاعل المُستتر في كلمة ( يقرأ ) سوف يبقى مجهولًا لأنه يعود إلى مجهول ، وهذا واضح . فالضمير بحسب القرينة السياقية يتّضح لنا معناه ، من كونه مُبهماً أو مُشخَّصاً .
الثاني : إنَّ الإشارة لله سبحانه وتعالى بالضمير بدلًا من لفظ الجلالة أكثر وقعاً في النفوس وأعمق حكاية عن الذات المقدَّسة ، وبعبارة أُخرى : إنَّ الذي
هامش
( 1 ) في الفصل الأوّل من الباب الثالث من هذا الكتاب . .