الذي يقع في قباله الاستثناء المُفرَّغ ، من قبيل قوله تعالى : يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ( البقرة : 9 ) .
والاستثناء المفرَّغ يجعل الاستثناء حصراً ، والهدف منه هو إلغاء النسبة مطلقاً عن غير المستثنى ، فلو سأل سائل : مَنْ يعلم تأويل القرآن الكريم ؟ فهل الدائرة منحصرة بالله تعالى والراسخين في العلم ، أو أن الدائرة تشمل غيرهم .
فمن قال بأنَّ ( إلا ) في قوله تعالى : . . . وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . . . ( آل عمران : 7 ) ، تُفيد الاستثناء ، وأنَّ الاستثناء فيها تامّ وسالب ، فقد تصوّر نسبة التأويل لغير الله تعالى والراسخين في العلم ، وإنما نُفي ذلك بواسطة الآية الكريمة ، وأما من قال بأنَّ ( إلا ) تُفيد الحصر لا الاستثناء الاصطلاحي فإنه يريد القول بعدم وجود تصوّر لنسبة التأويل لغير ما ذكرتهما الآية الكريمة ، فتكون الآية بصدد إغلاق دائرة التصوّر في مجال التأويل عن غير الله وَالرَّاسِخينَ فِي الْعِلْم ، أي لا يُوجد غيرهما حتى نحتاج إلى نفيه ، بل لا يُتصوّر غيرهما لكي ننفيه ، وهذا هو معنى الحصر ، وقد توهَّم من ظنَّ الحصر في هذه الآية استثناءً ، وسيأتي تفصيل الكلام في ذلك لاحقاً « 1 » .
ذلك هو الحصر ، وأما الاستثناء فإنه يُؤتى به لرفع تصوّر النسبة التامّة الصادقة على جميع مصاديق المفهوم الواقع مُستثنى منه ، كما في آية سجود الملائكة ، فقبل الاستثناء يُصوّر للقارئ والسامع أنَّ الجميع قد سجد لآدم ، فجاء الاستثناء لرفع هذا التصوّر ، وذلك بإخراج البعض ، فقالت : ( إِلَّا إِبْلِيسَ ) ؛ ومن هنا تفهم بأنَّ العدول من الاستثناء التامّ إلى المفرَّغ ليس لرفع النسبة فحسب بل لرفع تصوّر النسبة أيضاً ، وهذه النكتة قد غفل عنها حتى النُحاة فضلًا عن أعلام المُفسّرين .
هامش
( 1 ) في الفصل الثالث من الباب الثاني من هذا الكتاب ، فانتظر . .