إذا اتّضح ذلك فاعلم بأنَّ ( إلا ) في المقام تفيد الحصر لا الاستثناء ، فيكون الاستثناء في المقام مُفرَّغاً لا تامّاً ، وقد عرفت النكتة في العدول من الاستثناء التامّ إلى المُفرَّغ ، فيكون المفاد الذي تُريد تأديته هذه الأداة ( إلا ) هو رفع تصوّر وجود إله غيره سبحانه وتعالى .
جدير بالذكر أنَّ جميع الآيات التي كانت بصدد إثبات التوحيد واستعملت الأداة ( إلا ) فقد استعملتها بمعنى الحصر لا الاستثناء ، وقد عرفت السرَّ فلا تغفل عن ذلك ، واعلم بأن رفع لفظ الجلالة في الآية الكريمة شاهد آخر على كون الأداة للحصر لا للاستثناء .
قال الطباطبائي : ( وحيث كان لفظ الجلالة مرفوعاً لا منصوباً فلفظ إلا ليس للاستثناء ، بل وصف بمعنى غير ، والمعنى لا إله غير الله بموجود . فقد تبيَّن أنَّ الجملة أعني قوله : لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، مسوقة لنفي غير الله من الآلهة الموهومة المتخيَّلة لا لنفي غير الله وإثبات وجود الله سبحانه ، كما توهَّمه كثيرون ، ويشهد بذلك أنَّ المقام إنما يحتاج إلى النفي فقط ، ليكون تثبيتاً لوحدته في الألوهية لا الإثبات والنفي معاً ) « 1 » ، وقد كان الأَولى به رحمه الله أن يُعبّر بنفي تصوّر غير الله تعالى فضلًا عن نفي النسبة .
المفردة الخامسة : ( هو )
( هو ) ضمير منفصل ، عادة ما يكون عمدةً في الكلام وطرفاً في الإسناد ، وإنما جيء به في المقام لمسبوقيته بلفظ الجلالة ( الله ) ، وإلا فإنَّ المقام كان يقتضي ذكره ، فتكون الجملة : ( لا إله إلا الله ) ، فمع سبق الجلالة بذلك لا يُناسب المقام تكراره ، فلا يُقال : الله لا إله إلا الله .
هذا سرُّ مجيئه ظاهراً ، وأما معناه فإنَّ كلّ ما يرد في لفظ الجلالة فهو وارد
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 395 . .