الأسماء على عالم الإمكان بأسره ، والآخر هو حاكمية بعض الأسماء على الأُخرى ، وما يعنينا في المقام هو الشقّ الثاني ، حيث وجود أسماء كلّية وأُخرى جزئية ، بمعنى السعة والضيق الوجوديين ، فنوع الأثر المُترتّب على الحقيقة الاسمية يُحدِّد لنا دائرة حاكمية الاسم ، من قبيل أثر اسم الرحمان وأثر اسم الرازق ، فالأوّل أوسع دائرة من الآخر ، فللأسماء الحُسنى عرض عريض ، وبينها طولية في شدّة الآثار وأولوية الحكم « 1 » ، ومن هنا تفهم معنى الحديث القدسي المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول : ( إنَّ الله عزّ وجلّ بعث نبياً من أنبيائه إلى قومه ، وأوحى إليه أن قل لقومك : . . . إنَّ رحمتي سبقت غضبي ، فلا تقنطوا من رحمتي . . . ) « 2 » .
إذا اتّضح ذلك فاعلم بأنَّ هنالك اسماً هو الأوسع آثاراً مُطلقاً ، وهو الحاكم على جميع الأسماء ، وهو اسم الله الأعظم ، فهو الاسم الذي ينتهي إليه كلّ أثر ، ويخضع له كلّ أمر « 3 » ؛ فإن تمَّ لك ذلك فاعلم ثانياً بأنَّ الاسم الظاهر الذي تبوّأ هذا الموقع في نظام حاكمية الأسماء الإلهية هو ( الله ) سبحانه ، ومن هنا تفهم لِمَ تكون البسملة باسمه ، أي باسم الجلالة ، ولِمَ العبد في مطلع دُعائه يلهج باسم الله تعالى ، ولِمَ تغيب كلّ الأسماء عند الشدائد العظام ويحضر ( الله ) ، فافهم ، فالأمر عظيم وخطير ، والبوح به مُخلّ بالآداب « 4 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 210 .
( 2 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 274 ، ح 25 .
( 3 ) انظر : اللباب في تفسير الكتاب : ص 212 .
( 4 ) المراد الآداب الروحية في الحضرة الإلهية ، فمراعاة الإخفات والجهر في المقام أوجب منهما في الصلاة ، وليس كلّ ما يُعرف يُقال ، وقد كان قطب الموحّدين أمير المؤمنين علي عليه السلام يدسُّ رأسه في البئر ويُفيض بما عنده ، مُعلِّلًا ذلك بأنَّ الأرض تكتم الأسرار . ومع ذلك فسأبثَّك حقيقةً وسرّاً ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم ، وأستغفره وأتوب إليه ، فخذه هنيئاً ، ولكن عليك أن تُبصرَه في نفسك إن كنت بصيراً ، فما حكّ جلدك مثلُ ظفرك ، وما غيرك بأولى منك في مسّ حقيقتك ، بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . القيامة : 14 . وأما السرّ ، وقد قدَّمتُ له ، فهو أنَّ الاسم الأعظم موجود في كلّ إنسان ، فلا تبحث عنه في مكان آخر ، ولا تطلبه من غير موضعه ، ومنه تفهم : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومنه تفهم كلمة الإمام الصادق عليه السلام عندما سأله رجل : يا ابن رسول الله دُلَّني على الله ما هو ؟ فقال له : يا عبد الله هل ركبت سفينة قطّ ؟ قال : نعم . قال :
فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟
قال : نعم . قال :
فهل تعلّق قلبك هنالك أنَّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟
فقال : نعم . قال الصادق عليه السلام :
فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي ) .
انظر : التوحيد ، للشيخ الصدوق : ص 231 .
ولكن المُشكلة العظمى تكمن في قوَّة حامله وتحمّله ، فإنَّ جبال الأرض لأخفّ ثقلًا منه ، كيف وهو الذي يجعل الجبال ذهباً أو رمالًا ، والنار نوراً أو رماداً ، والبحر عذباً أو أُجاجاً ، والماء رواءً أو سراباً ، والأرض عُمراناً أو خراباً ، فمن يُطيقه غير الكامل الأكمل ، ومن هو جدير بمعرفة سرّه غير المُطهِّرين لأنفسهم من درن الأنا ، فلم يُبصروا غيره في قلوبهم ، فكان هو الاسم الأعظم الذي لا يجتمع مع سواه أبداً ، فتأمَّل ، ولقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن اسم الله الأعظم ، فقال :
( كلّ اسم من أسماء الله أعظم ، ففرِّغ قلبك من كلّ ما سواه ، وادعُه بأيّ اسم شئت ، فليس في الحقيقة لله اسم دون اسم ، بل هو الله الواحد القهار )
. انظر : بحار الأنوار : ج 90 ، ص 322 . هذا إن تأمَّلت ، ثمَّ هذا إن توكَّلت ، ثمَّ هذا إن قصدت . .