كلّ ما يصدر من أفواههم الشريفة ينبغي التأمّل فيه ، وإن كان الصادر منهم حرفاً واحداً لا غير ، فإن لهم في الحرف الواحد سبعين وجهاً ، فضلًا عن الكلمة الواحدة والجملة الواحدة والفكرة الواحدة ، وهذا يعني الغاية في الدقّة والمتانة في استعمالاتهم للمفردات ، ومن هنا يُعذر الفقهاء والمتخصّصون في تأمّلاتهم الطويلة في كلّ حرف وكلمة وجملة صادرة من المعصومين عليهم السلام .
عاشراً : جاء في الرواية الخامسة من قول الإمام الصادق عليه السلام :
( أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا . . . ) ،
وفي ذلك ثلاث دلالات لطيفة .
الدلالة الأُولى : إنَّ المُتوقَّع منهم العمل بما نقوله للناس أجمعين هو أنتم لا غير ، أي : أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، ولذلك فهو عليه السلام لم يقل : ( أفقه الناس . . . ) ، وإنما قال : ( أنتم أفقه الناس ) ، وهذه النكتة اللطيفة تؤكّد ما أسلفناه في المُعطى النظري الكسبي للنصّ والمُعطى العملي ، وأنَّ المُعطى النظري - تمهيداً وتأسيساً ونتائج - هو ثمرة التحقيق والحصول ، وأنَّ الهدف الأسمى من كلّ ذلك هو ثمرة التحقُّق والحضور ، فيكون المتوقَّع منهم تحقيق ذلك الهدف الأسمى هم أتباع المذهب الحقِّ ، فقال عليه السلام : ( أنتم . . . ) ، وينبغي أن يُعلم بأنَّ كلمة ( أنتم ) ليست مُطلقة ، وإنما هي مُقيّدة بقيد احترازي كبير ، وهو قوله عليه السلام : ( ما عرفتم معاني كلامنا . . . ) .
الدلالة الثانية : وهي كامنة في نفس هذا القيد الاحترازي ، ومفادها هو أن العامل بلا علم ليس فقيهاً ولا مُتّفقهاً البتّة ، وإنما الفقيه هو العارف بمعاني كلماتهم .
الدلالة الثالثة : وهي كامنة في قوله عليه السلام : ( . . . ما عرفتم معاني كلامنا . . . ) ، حيث يُشير إلى أن المهمّ في ما نقوله هو المعاني وليس الأقوال نفسها ، فالأقوال مجرّد قوالب جامدة ، وأما المعاني فهي الروح المتحرّكة التي
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 104
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٤