وتبياناً وهدىً ونوراً بلسان عربيّ مبين ، وهذا لا ينسجم مع فرض التشابه المفهومي والإجمال ، كما أنَّ التعبير بالاتّباع في قوله تعالى : ( فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ ) يُؤكّد التشابه المصداقي ، وذلك لأنَّ الاتّباع المفهومي لا معنى له ، فالاتّباع الحاصل فرع وجود مدلول ظاهر يتعيّن فيه اللفظ ، ومع التشابه المفهومي لا مدلول ليتّبع ، وهذا بخلاف ما لو أُريد التشابه المصداقي بمعنى أنّهم يتّبعون الآيات التي مصاديقها الخارجية متشابهة لا تتناسب مع المصداق الواقعي الغيبي الذي ينطبق عليه مفهوم الآية .
قال الطباطبائي : ( وكيف كان فهذا الاختلاف لم يولّده اختلاف النظر في مفهوم - مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة والعرف العربي - الكلمات أو الآيات ، فإنّما هو كلام عربيّ مبين لا يتوقّف في فهمه عربيّ ولا غيره ممّن هو عارف باللغة وأساليب الكلام العربي . وليس بين آيات القرآن آية واحدة ذات إغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحيّر الذهن في فهم معناها ، وكيف ! وهو أفصح الكلام ومن شرط الفصاحة خلوّ الكلام عن الإغلاق والتعقيد ، حتّى أنّ الآيات المعدودة من متشابه القرآن - كالآيات المنسوخة وغيرها - في غاية الوضوح من جهة المفهوم ، وإنّما التشابه في المراد منها وهو ظاهر . وإنّما الاختلاف كلّ الاختلاف في المصداق الذي تنطبق عليه المفاهيم اللفظية من مفردها ومركّبها وفي المدلول التصوّري والتصديقي ) « 1 » .
وممَّن أشار إلى هذه النكتة الطبري في تفسيره ، حيث يقول : ( إنّ جميع ما أنزل الله عزّ وجلّ من آي القرآن على رسوله صلى الله عليه وآله ، فإنّما أنزله عليه بياناً له ولأُمّته وهدىً للعالمين ، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه ، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ثمّ لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل ) « 2 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ، ص 21 .
( 2 ) تفسير الطبري : ج 3 ، ص 175 . .