الثاني : في التشابه القرآني نوع إلجاء للأُمّة للرجوع فيها إلى إمام زمانها ،
فيكون ذلك كاشفاً عن كون المتصدّي إمام حقّ أو إمام زور .
الثالث : أنَّ في ذلك دعوتين معرفيتين ، الأُولى للتعلّم وطلب التخصّص ، والأُخرى للتأني والتأمّل بنحو آكد وأشدّ في كلمات الله تعالى ، لاسيَّما هنالك من لا يكفيه التفكّر والتدبّر في آياته الأنفسية والآفاقية التكوينية ، فاحتاج الأمر للتدبّر في آياته التدوينية ، فمن التوهّم الاعتقاد بكفاية التفكّر والتدبّر في آيات الله التكوينية « 1 » ، الأنفسية والآفاقية ، فإنَّ الله تعالى قد تجلَّى بكماله وجماله وجلاله في كتابه التدويني الحكيم ، كما تجلّى أيضاً في كتابه التكويني .
الرابع : أنَّ في القرآن أسراراً لا ينبغي أن يطّلع عليها من هو ليس أهلًا لها ، وقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يُدلي بأسراره في البئر كناية عن عدم وجود حملة للعلم ، وكان يتأوّه لذلك ، فكيف بأسرار القرآن التي انعكس فيها سرّ الله تعالى الأعظم .
الخامس : مع أننا لا نعتقد بحصر التأويل في المُتشابهات إلا أنَّه سوف تشتدّ الحاجة فيها له ، وسوف تنجلي الغبرة أكثر عندما نتعرّض لموضوعة التأويل وبيان تطبيقاته الأُولى في آية الكرسي .
السادس : لمعرفة الصادقين بصدقهم والمنافقين بنفاقهم ، وهو محلّ اختبار عظيم ، فالحقّ شاخص في المُتشابهات ، ولا غُبار عليه ، ولكنّها حمّالة وجوه أيضاً ، فيثبت للحقّ من كان الحقّ داعيه ومطلبه ، ويزيغ من كان في قلبه مرض ؛ وبعبارة أُخرى : إنّ الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به ، فإنّه لو كان كلّ ما ورد في الكتاب معقولًا واضحاً لا شبهة فيه ، لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : المصدر السابق : ج 3 ، ص 57 .
( 2 ) تفسير القرآن العظيم ( تفسير المنار ) : ج 3 ص 149 . .