ضياء الاستدلال والبيّنة ، أمّا لو كان كلّه محكماً لم يفتقر إلى التمسّك بالدلائل
العقلية ، فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد « 1 » .
وهو وجه وجيه بحسب ظاهره ، إلا أنه لا يُبرر لنا ذلك الجعل ، فإنَّ إنّ الله تعالى أمر الناس بإعمال العقل والفكر في الآيات الآفاقية والأنفسية إجمالًا ، وتفصيلًا في موارد أُخرى كخلق السماوات والأرض والجبال والشجر والدوابّ والإنسان ، وندب إلى السير في الأرض والنظر في أحوال الماضين ، ومدح العلم بأبلغ المدح ، وفي ذلك غنى عن البحث في أُمور ليست إلّا مزالق للأقدام ومصارع للأفهام ، كما هو الحال في المُتشابهات .
العاشر : إنّ الأنبياء بُعثوا إلى جميع الأصناف من عامّة الناس وخاصّتهم ، فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجّهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم ، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كلّ مخاطب عاميّاً كان أو خاصيّاً ؛ فيكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصّة ، ويؤمر العامّة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حدّ المحكم ، فيكون لكلٍّ نصيبه على قدر استعداده « 2 » .
وهو وجه ضعيف أيضاً ، فلازم قوله أن لا تتضمّن المتشابهات أزيد ممّا تكشف عنه المحكمات ، وعند ذلك يبقى السؤال عن سرِّ وجود المُتشابه على حاله .
الحادي عشر : إنّ اشتمال القرآن على المتشابهات إنّما هو من اللوازم التي لا تنفكّ عن وجود التأويل للقرآن ، ومعنى ذلك أنّ الله سبحانه لم يجعل الآيات بنحو تنقسم فيه إلى محكمة ومتشابهة بحيث كان بالإمكان التحرّز عن ذلك ،
هامش
( 1 ) انظر : التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ص 149 .
( 2 ) انظر : تفسير القرآن العظيم ( تفسير المنار ) : ج 3 ص 149 . .