وإنما كان لا بدَّ من ذلك ؛ وهذه اللابدية تفرضها طبيعة اللغة التي نزل بها
القرآن الكريم ؛ وعدم المكنة من جعله مُحكماً تعود للقابل لا إلى الفاعل سبحانه ؛ فاللغة أُحتيج لها في عالم الحسّ والمادة ، ولذلك فهي تنتمي إليه وإن كانت في بحسبها أمراً اعتبارياً ؛ وعالم الحسِّ موجب لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحسّ والمحسوس ؛ فإذا ما أُريد إيصال المعاني العليا ، المُنبثقة من عالم التجرد المُطلق لعالم الحسّ فلا بدَّ لها أن تنزل في قالب يُلائم عالم الحسّ القائم على أساس التنوّع والاختلاف ، ومنه تفاصيل اللغة العربية ، فكان النزول في ذلك القالب مُقتضياً لتنوّع القرآن إلى مُحكم ومُتشابه .
وهو الوجه المُختار عندنا ؛ وتوضيحه يتوقّف على ذكر مقدّمات :
الأولى : إنّ الله سبحانه ذكر أنّ لكتابه تأويلًا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية والأحكام والقوانين وسائر ما يتضمّنه التعليم الإلهي ، وأنّ هذا التأويل الذي تستقبله وتتوجّه إليه هذه البيانات أمرٌ تقصر عن نيله الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول ، إلّا نفوس الذين طهّرهم الله وأزال عنهم الرجس ، فإنّ لهم خاصّة أن يمسّوه .
الثانية : إنّه لمّا كان عامّة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادّة والطبيعة ، وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدراك المعاني وكلّيات القواعد والقوانين ، يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسّرت له الورود في عالم المعاني والكلّيات ، كان ذلك موجباً لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحسّ والمحسوس ، اختلافاً شديداً ذا عرض عريض على مراتب مختلفة ، وهذا أمرٌ لا ينكره أحد .
ولا يمكن إلقاء معنىً من المعاني إلى إنسان إلّا عن طريق معلوماته الذهنية التي تهيّأت عنده في خلال حياته وعيشه ، فإن كان مستأنساً بالحسّ فعن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحسّ ، كما يمثّل لذّة
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 513
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٥١٣