كبير في توجيه التقسيم القرآني لآياته إلى مُحكم ومُتشابه ، وتبرير وجود المُتشابهات فيه ، ولنقف عند الفخر الرازي ابتداءً الذي حاول أن يُقدّم إجابات
لم يُوفّق في معظمها ، وربّما في جميعها .
يقول الرازي في إجابته الأُولى : إنّه متى كانت المتشابهات موجودة ، كان الوصول إلى الحقّ أصعب وأشقّ ، وزيادة المشقّة توجب مزيد الثواب .
ويقول في إجابته الثانية : لو كان القرآن محكماً بالكلّية لما كان مطابقاً إلّا لمذهب واحد ، وكان تصريحه مبطلًا لكلّ ما سوى ذلك المذهب ، وذلك ممّا ينفّر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، فالانتفاع به إنّما حصل لما كان مشتملًا على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع كلّ مذهب أن يجد فيه ما يقوّي مذهبه ويؤثّر مقالته .
ويقول في إجابته الثالثة : إنّ القرآن إذا كان مشتملًا على المحكم والمتشابه ، افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلّص عن ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والبيّنة ، أمّا لو كان كلّه محكماً لم يفتقر إلى التمسّك بالدلائل العقلية ، فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد .
ويقول في إجابته الأخيرة : لمّا كان القرآن مشتملًا على المحكم والمتشابه ، افتقروا إلى تعلّم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلّم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أُصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة « 1 » .
إجابات يحسبها الظمآن ماءً ، وقد أجاد صاحب المنار بتعليقه على ذلك ، حيث يقول : ( إنّه لم يأت بشيء نيّر ولم يحسن بيان ما قاله العلماء ، وأسخف هذه
هامش
( 1 ) انظر : التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ، ص 149 . .