تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
نزل بوجوده الكلّي على الأُمّة دفعةً واحدة لانتفى الغرض منه ، وذلك لعدم تحقّق الإفهام ، وبالتالي سوف لا يكون المُخاطب به مُخاطباً فعلًا ، فاحتاج ذلك الوجود الكلّي أن تُبيَّن تفصيلاته المُفضية لتحقّق الغرض ، ولذلك وصفت الآية الكريمة ذلك التفصيل بنزوله التدريجي بأنه : . . . مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ . . . ، فإذا لم يتحقّق منه الإفهام للأُمّة بوجوده الإجمالي ونزوله الدفعي فلا معنى أن : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، وإنما يقشعرّ منه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الذي كان أهلًا للتفهيم ، فصيغة الجمع تحكي وجوداً آخر صاراً محلًا للإفهام ، فأوجب أن : تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، وفي الآية قرينتان لفظيتان سياقيتان تُساعدان على ذلك ، الأُولى هي كلمة : ( مَثانِي ) ، الحاكية عن نزوله مرّتين ، دفعياً خاصّاً بالرسول صلى الله عليه وآله مُوجباً لفهمه ووقوع القشعريرة منه ، وتدريجياً عامّاً للأُمّة مُوجباً لفهمه ووقوع القشعريرة منه ، والثانية هي نفس كلمة : ( مُّتَشَابِهاً ) ، التي قد تكون بمعنى أنَّه مُتشابه في معانيه الكلّية الدفعية ومعانية التفصيلية التدريجية ، والله العالم .

الأمر الثالث : سرّ قسمة الآيات إلى مُحكم ومُتشابه

لابدّ لنا من الوقوف عند سرّ قسمة الآيات إلى مُحكمات ومُتشابهات ، ومن البيِّن جدّاً بأنَّ البحث في ذلك منشؤه البحث في حكمة اشتمال القرآن على المتشابهات ، إذ لا كلام في ضرورة المُحكمات ، بل إنَّ المتوقّع بصفته كتاب هداية أن يكون كُلّه مُحكماً . بعبارة أُخرى : ما هي الحكمة في اشتمال القرآن - الذي جاء ليهدي الناس ، وينتشلهم من الفرقة ، ويُخرجهم من الظلمات إلى النور - على آيات مُتشابهات فيها اقتضاء وقوع الخلاف والاختلاف بين أفراد الأُمّة ؟ هنا تعرَّض أعلام الأُمّة وعلماء الصنعة للإجابة عن ذلك ، ووقع اختلاف