تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
ولكن ورد في القرآن الكريم وصفان للقرآن بالإحكام والتشابه على نحو الموجبة الكلّية ، وهذا قد يُربك الموقف بدواً ، وهما قوله تعالى : الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود : 1 ) ، وقوله تعالى : اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ . . . ( الزمر : 23 ) . فكيف قسِّمت آياته إلى مُحكم ومُتشابه ؟ ثمَّ كيف يصف الكتاب كلَّه بالمُحكم وكلَّه بالمُتشابه ؟ أما القسمة الجزئية الأُولى فواضحة ، وأما القسمة الكلّية الثانية فصحيحة أيضاً ، ولكن بمعانٍ أُخرى ، أما وصفه بالإحكام كلّياً فلا يُراد منه الإحكام المتقدّم ، وإلا لانتفى وجود المُتشابه ، وإنما المراد منه معنى آخر . قال الطباطبائي في توجيه اتصاف القرآن كلّيّاً بالإحكام والتفصيل : ( فإنما يتّصف بهما من جهة ما يشتمل عليه من المعنى والمضمون لا من جهة ألفاظه أو غير ذلك ، وأنَّ حال المعاني في الإحكام والتفصيل والاتحاد والاختلاف غير حال الأعيان ، فالمعاني المتكثّرة إذا رجعت إلى معنى واحد كان هذا الواحد هو الأصل المحفوظ في الجميع وهو بعينه على إجماله هذه التفاصيل ، وهي بعينها على تفاصيلها ذاك الإجمال ، وهذا كلّه ظاهر لا ريب فيه . وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمة أوّلًا ، ثمَّ مفصّلة ثانياً ، معناه : أنَّ الآيات الكريمة القرآنية على اختلاف مضامينها وتشتّت مقاصدها وأغراضها ترجع إلى معنى واحد بسيط ، وغرض فارد أصلي لا تكثّر فيه ولا تشتّت ، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة مقصداً من المقاصد ولا ترمي إلى هدف إلا والغرض الأصلي هو الروح الساري في جثمانه والحقيقة المطلوبة منه . فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتّت آياته وتفرّق أبعاضه إلا غرض واحد متوحِّد إذا فُصِّل كان في مورد أصلًا دينياً وفي آخر أمراً خلقياً وفي ثالث
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 502 | السيد كمال الحيدري