ولكن لنا أن نسأل هل فكرة الثابت والمتغيّر سيّئة وخطيرة إلى هذا الحدّ ؟
الصحيح هو أنَّنا نقبل ابتداءً فكرة وجود الثابت والمتغيّر ، ولكن ثانياً وبالعرض وليس أوّلًا وبالذات ، فالنصوص الدينية على مستوى الأحكام الشرعية - فضلًا عن العقدية - ثابتة ولا تغيير فيها أبداً ، فهي كما جاء في الحديث الصحيح ، عن زرارة قال : سألت أبا عبد الله ( الصادق ) عليه السلام عن الحلال والحرام فقال : ( حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة ، لا يكون غيره ولا يجيء غيره ) « 1 » ، فما معنى أصل الفكرة ؟ وما معنى أنَّ الأحكام ثابتة أبداً ؟ وما معنى التغيير العرضي ؟
إنَّ مرادنا من التغيّر بالعرض هو التغيّر بحسب تغيّر الموضوع ، فالحكم الشرعي ثابت أبداً مع بقاء موضوعه ، وأما في صورة تحوّل الموضوع فلا ريب في تغيّر الحكم بتبع ذلك ، وكنّا قد تعرَّضنا لذلك في دراساتنا التخصّصية في فقه المكاسب « 2 » حيث بيَّنّا هنالك نكتة التبعية في التغيير بحسب تغيّر الموضوع ، فالدم - مثلًا - إذا كانت حرمة التكسّب به قائمة على أساس عدم وجود منفعة عقلائية معتدّة به ، فإنَّ هذه الحرمة رهن ببقاء موضوعها وهو عدم المنفعة ، فإذا ثبتت المنفعة العقلائية - كما هو الحال في عصورنا هذه - فإنَّ تغيير الحكم جاء تبعاً لتغيُّر موضوعه ، فالموضوع تغيَّر أوّلًا وبالذات ، وحكمُهُ تغيَّر ثانياً وبالعرض .
وعليه فالثابت في الأحكام الشرعية ما بقيت موضوعاتها ، والمتغيّر فيها ما تغيَّرت موضوعاتها ، ومن هنا إذا ما فهمنا أنَّ الإمام الحجّة بن الحسن عليه السلام سوف يأتي بدين يختلف في تفصيلاته عن الدين المعلوم فذلك لأمرين ، الأوّل هو وقوع الأخطاء من قبل أهل الفنّ في فهم النصّ واستنباط الأحكام
هامش
( 1 ) الأُصول من الكافي : ج 1 ، ص 58 ، ح 19 .
( 2 ) كتاب : ( مدخل إلى فقه المكاسب المحرمة ) . .