الثالث : إنها سهلة الإدراك ، وذلك لأنها تحمل في طياتها سِيراً عقلائية .
وقد اخترنا لهذه الأوتاد غير القليلة في القرآن الكريم نموذجين ، هما :
النموذج الأوّل : الإنسان مقرون بعمله
وهو قوله تعالى : وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً ( الإسراء : 13 ) ، حيث تكشف لنا هذه الآية الكريمة حقيقة مهمّة ، وهي أنَّ الإنسان مقرون بعمله ، بمعنى لا انفكاك أبداً ، فالإنسان عندما يقف بين يدي ربّه سوف يجد جميع تفاصيل حياته ، فمن كان كافراً ثمَّ أسلم وآمن واهتدى سيجد في لوحه كلَّ ذلك ، فهو موثوق به ، وهذا هو معنى الإلزام ، ومن هنا تفهم أمرين مهمّين ربما يُغفل عنهما ، وهما :
الأوّل : السرّ في خشية لقاء الأولياء والصالحين بربّهم ، لأنهم يخشون أن يجدوا في ألواحهم ما يسوء ، رغم اطمئنانهم بالمغفرة .
الثاني : إنَّ قوله تعالى : إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ( هود : 114 ) ، يُراد به إذهاب العقاب والأثر ، لا إذهاب العين نفسها ، وما أشدَّها من حسرة يوم يجد الإنسان كلّ ما فعله ، حتى قيل بأنَّ الإنسان السوي يجد جنّته في كونه لم يجد في لوحه ما يسوء ، فلا يهتمّ بعد ذلك إن سيق به لجنّة أو لنار ، وأنَّه يتمنَّى النار على الجنّة لشدَّة حيائه من ربّه عندما يجد في لوحه ما يسوء ، فطوبى للأسوياء منّا ، وهَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ( آل عمران : 138 ) ، نعم ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ( الحاقّة : 48 ) .
النموذج الثاني : المؤمنون عليهم أنفسهم ما داموا مهتدين
وهو قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( المائدة : 105 ) ، إنها حقيقة أُخرى تُقارب قوله تعالى في حقِّ نبيّه : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ