وأما وجه الخفاء في الآية فيكمن في نكتتين مهمّتين ، الأُولى : الحاجة لبيان الإطلاق في الطاعة ، وهو أمر عقلي ، والثاني : الحاجة لبيان المصداق الحقيقي لأُولي الأمر ، وهو أمر نقلي ، حيث تكفَّلت السنّة الشريفة ببيان ذلك .
النموذج الثاني : الإيمان شرط قبول الأعمال
وهو قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( النور : 39 ) ، إنَّ هذا الوتد القرآني يُؤسّس لنا لحقيقة ليس من اليسير إدراكها ، فإنَّ عمل الخير - مثلًا - هو خير في نفسه ، لاسيَّما في ضوء القول بالحسن والقبح العقليين ، فكيف يكون ذا نفع للمؤمن وسراباً بقيعة للكافر ؟ هل هو انقلاب في ماهية الخير ؟ أو أنَّ الحسن والقبح شرعيان كما يقول الأشاعرة ؟
الصحيح هو عدم وقوع الانقلاب وعدم كون الحسن والقبح شرعيين ، وإنما للخير بعدان وأثران ، الأوّل دنيوي ، وهو واقع ومُترتّب على أيّ حال ، والآخر أُخروي ، وهو مشروط بالإيمان ، وحيث إنَّ الأثر الأُخروي باقٍ لا يزول فإنه هو المنظور أوّلًا وبالذات ، ولذلك عبَّرت الآية بأنَّ أعمال الكفَّار كسراب بقيعة « 1 » لأنها فاقدة الأثر الحقيقي ، بخلاف عمل المؤمن الذي لا ينفكّ عن فاعله أبداً ، وحيث إنَّ هذا المعنى الشريف للآية الكريمة ليس بيِّناً فقد صارت وتدية الآية خفيّة وبحاجة للتبيين .
بقي أن نُشير إلى مسألتين مهمتين أثارتهما الآية الكريمة ، وهما :
الأُولى : من هو الظمآن ، وما نوع ظمئه ؟
الثانية : من هو الكافر الذي عمله سراب بقيعة ؟
ذُكرت في المقامين آراء كثيرة ، جيّدة وقيّمة ولكنها لا تملأ وجدان المؤمن ،
هامش
( 1 ) قيعة أو قيعان أو قواع : جمع قاع ، وهي الأرض المنبسطة ، والسراب : شعاع يُرى بواسطته - في تلك الأرض المنبسطة منتصف النهار وفي شدّة الحرّ - شيئاً كأنه الماء الجاري . .