وحيث إنَّ المقام لا يسمح لنا بتفصيل المسألتين فقد ارتأينا الإشارة لتأصيل وتأكيد وتدية هذه الآية الكريمة .
أما الظمآن الحقيقي فهو طالب المعرفة والكمال المطلق ، وظمؤه يكمن في الفقد لذلك ، والقرينة السياقية تُساعد على ذلك ، وهو قوله تعالى : ( وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ) ، حيث إنَّ الطالب كان صادقاً في قصده ، وحيث إنَّ المطلوب لا يُمكن أن يفي به له غير الله تعالى ، فكان لابدَّ من أن ينتهي إلى الله تعالى ليوفّيه حسابه ويفيض عليه بكماله .
وأما الكافر الحقيقي فهو من ظنَّ أنَّ الكمال المطلق والمقصد الحقّ يكون في غير الله تعالى ، فذلك مع التفاته وجدّية سعيه ليس له غير صورة الكمال ، لا الكمال الحقّ ، وهذا معنى كون سعيه ( عمله ) كسرابٍ بقيعة .
ومن هنا تفهم حجم الكفر المنتشر في المجتمع الإنساني ، بل حجم التوهّم الذي عليه الإنسان النوعي الذي عادة ما يضع الشمس خلف ظهره ، ويسير باتّجاه الانطفاء والاضمحلال ، ويحسب أنه على الجادّة والحقّ ، ولكنهم : رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( التوبة : 93 ) .
3 . النماذج الاحتمالية
ما نعنيه بالنماذج الاحتمالية للأوتاد القرآنية ثلاثة أُمور ، هي :
الأوّل : هو كونها تُمثّل الخطوط الثانوية للأوتاد الأوّلية ، فإنها فيها اقتضاء الوتدية ، ولكنها ثانوية ، ودون أن تنضوي تحت الخطوط الأُولى من الأوتاد ، لأنَّ الأوتاد الاحتمالية ما دامت أوتاداً فلا معنى لانضوائها تحت مظلّة أوتاد أُخرى ، وهذه الخصوصية هي الملاك الأوّل في وتديّتها ، ولذلك فهي على احتماليتها ، لها حاكمية على نصوص قرآنية كثيرة لم تبلغ مرتبة مقام الوتدية .
الثاني : إنها الأقل أثراً من الخطوط الأُولى ، بل هي في طول الأوتاد البيِّنة والمُبيَّنة ، ولكن دون أن يُستغنى عنها البتّة .