تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
المأخوذة في أصل الخلقة ، فالإنسان مفطور وليس مخلوقاً فحسب ، ومفطوريّته تعنى أنَّ هنالك خصوصية معيّنة اندكّت في تكوينه ، وهذه الخصوصية هي فطرة الله وهي الدين القيِّم وهي التوحيد الحقّي ، والذي يخرج عن فطرته لا يلغي وجودها ولكنه يحجب نورها ، ومن هنا سُمِّي الكفر كفراً ، لأنه ستر لتلك الحقيقة وحجب لها ، وعندما تنجلي الغبرة للغافلين ، ويكون بصرهم حديداً ، سيدركون ما كانوا عليه في أصل خلقتهم ، ويُدركون أيضاً ما كانوا عليه من غشاوة ورين ، ولكن هيهات هيهات ، : . . . وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ( ص : 3 ) .

النموذج الثاني : هدف الخلقة التعارف ( المعرفة ) ، والتفاضل بالتقوى

وهو قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( الحجرات : 13 ) ، فالشعوبية والقبائلية تُورثان التعنّت والاستكبار والغرور ، فاحتاج الأمر إلى عقد مؤتمرات وتصعيد لغة الحوار الحضاري ، حيث تبادل وتلاقح النظريات والقيم والمعارف والخبرات ، ومنها في لغة العصر تبادل في نتاج المدنية من التقنية أو التكنولوجيا ، فالإنسان محفوظ استقلاله ، ولكنه لم يُخلق لنفسه فحسب ، وإنما خُلق للآخر أيضاً ، وحيث إنَّ اللقاء بالآخر يقتضي وقوع التصادم - لوجود التزاحم - فقد جُعل الضابط في التقدّم والتأخّرهو التقوى لا غير ، فلا حسب رافع ولا نسب خافض ، إنما هي التقوى لا غير . هذه هي خلاصة هذا الوتد القرآني الذي تلتقي معه الأوتاد الأُخرى في الهدف ، وتنضوي تحته التشكيلات القرآنية الأُخرى ، فلا تجد آية تسير ضدّ هذا الاتّجاه الوتدي الذي تقوم عليه الحركة الإستراتيجية لسعادة الإنسان في الدارين . وبالتالي فالحركتان التفسيرية والتأويلية لابدَّ أن تسيرا وفق الاتّجاهات الوتدية للقرآن ، وإلا فكلّ نتاج خارج عنها هو خروج عن القرآن بأسره .