توفّر الذوق « 1 » وطهارة القلب ، والتحقّق « 2 » بالمعارف الإلهية ، ومعظم هذه الخصوصيات تُعبّر عن مؤهِّلات ليست يسيرة التحصيل ، من هنا احتاج فهم القرآن في مرتبة التأويل إلى عنايةٍ خاصّةٍ تفوق ما عليه الفهم في مرتبة التفسير .
رابعاً : ربما يُتصوّر الإحاطة بوظائف الأوتاد القرآنية على مستوى العملية التفسيرية ، ولكنَّ ذلك غير ممكن على مستوى العملية التأويلية ، ولذلك تتأكّد الحاجة للمعصوم عليه السلام في الكشف عنه ، وما عدا ذلك فهو لا يخرج عن دائرة التخرّصات الباطلة .
نعم ، هنالك معارف جزئية يمكن لنا التوفّر عليها ، والاستفادة منها في الكشف عن مضامين عظيمة ، ولكنَّ أُفقها سيبقى محدوداً بلحاظ القارئ المُتخصّص غير المعصوم .
خامساً : هنالك مناطق معرفية تأويلية أرضيتها جملة من الأوتاد القرآنية غير قابلة للتعليم والتعلّم البتّة ، بل هي غير قابلة للتوريث أيضاً ، إلا لمن امتلك ملاكات المقرّبين ، ومن هنا سوف نكتشف معنى جديداً للأبرار والمُقرَّبين ، فالقرب قرب كمالي لا قرب حسّي ، وقد تعرّضنا لذلك في دراسات سابقة « 3 » .
هامش
( 1 ) ليس المراد بالذوق هنا الذائقة الحسّية التي نُميّز بها نوع المأكل والمشرب ، كما أنّه لا يُراد به مجموع الاستحسانات العرفية التي تتحكّم بها الثقافات والأعراف والتقاليد والظروف المحيطة بها ، وأيضاً لا يُراد به الذوق الأدبي ، وإنّما المراد به الشهود والحضور والمكاشفة ، فأهل الذوق هم أهل الشهود والمكاشفات وهم العرفاء خاصّة لا غير ، والذوق كما يرى مُنظّر هذا الفنّ في رسائله هو ( أوّل مبادئ التجلّيات الإلهية ) . انظر : رسائل ابن عربي : ص 410 .
( 2 ) نعني بمفردة التحقّق : التحقّق بالشيء المقصود ، وليس التحقّق من الشيء المقصود ، وشتّان بين الأمرين ، بعبارة أخرى : إنّ التحقّق يُمثّل مرتبة وجودية يصل إليها العارف وليس مجرّد مرتبة علمية ظاهرية . انظر : معرفة الله : ج 1 ص 54 .
( 3 ) انظر : معرفة الله : ج 1 ، ص 308 فما بعد : ( مراتب معرفة الله ) . .