الزاوية الثالثة عشرة : وحدة النصّ واختلاف المعطيات
وهنا قد تنقدح في ذهن المُتلقّي إشكالية منهجية أُخرى منشؤها التنافي الظاهري بين أصل وحدة النصّ وبين اختلاف النتائج والمعطيات .
ولكن الصحيح هو غير ذلك تماماً ، وأن التنافي الحقيقي التحقيقي يلزم من القول بوحدة المعطيات ، أو من القول بتناثر النصّ ؛ ولعلّ القارئ الملتفت قد انقدحت في ذهنه الإجابة عن ذلك من خلال التأمّل فيما تقدّم .
لقد أكّدنا مراراً بأن وحدة النصّ القرآني بوجوده الكلّي لا تعني البتّة وحدة المعنى ، وإنما تعني أن النصوص القرآنية مُترابطة وتسير بالقارئ باتّجاه الغايات الابتدائية في دائرة المفردات ، وباتّجاه الغايات المتوسّطة في دائرة الجُمل ، وباتّجاه الغايات النهائية في دائرة وحدة الموضوع وتوافق الجُمل - سواء كان ذلك في حدود السورة الواحدة أو على امتداد مجموعة سور - وأخيراً يسير النصّ بوحدته الإجمالية باتّجاه الغاية الأسمى من كلّ ذلك ، وهو التحقّق بمفاد النصّ ، وهذا الإجمال الدقيق في تصوير وحدة النصّ إنما ينسجم تماماً مع تنوّع واختلاف المعطيات ، فإن التصوّر الابتدائي - وهو مُعطى قرآني في مرتبة دانية تُقدّمه مفردات النصّ - يختلف من قارئ لآخر ، فضلًا عن مُعطيات التركيب الجُملي والتركيب الموضوعي ، وقد تقدّم منّا أن النصّ حتى على فرض القول بوحدته بالمعنى العرفي يقع فيه الاختلاف في الفهم والعرض بين القرّاء ، حتى وإن كانوا من مدرسة واحدة ، فضلًا عن فرض تنوّع مدارسهم ، ونحن نلمس بقوّة وقوع ذلك في فهم رواية واحدة يُطالعها متخصّصان من مدرسة واحدة ، فكيف مع اختلاف المشارب والمنابع والأذواق ؟
إنَّ القول بوحدة النصّ أمر لا مناص منه أبداً ، كما تقدّم ، وإن اختلاف المعطيات من قارئ لآخر هو الآخر أمر ثابت بالاستقراء ، بل بالوجدان أيضاً .
وهنا نودّ توضيح نكتة مهمّة لعلّها تغيب عن المتخصّصين فضلًا عن