والدقّة والنظر ،
حتى صار التأويل في حُقبٍ سالفة سُبَّة تُلصق بالمنحرف فكرياً ، فيقال عنه : هذا مُؤوِّل !
وما ذلك إلا لغياب تلك المبادئ الأساسية والخطوط البيانية الخاصّة بالتأويل ، وقد حاول جُملة من الأعلام مُعالجة الموقف في العملية التفسيرية فطرحوا موضوعة المناهج التفسيرية ، وهي مُحاولة ناجحة إلى حدٍّ ، ولكنها لم تحسم الموقف نهائياً لأن المبادئ الأولى والخطوط البيانية للعملية التفسيرية هي غير المناهج التفسيرية تماماً ، وأما في عالم التأويل فقد بقي مسرحه بلا قيود أو حدود ، حتى أن بعض الجُهَّال ممن لا صلة له بالعلم إذا أعيته الحيلة في التفسير لجأ إلى التأويل بالمعنى المتداول لديهم ! في حين إن البعض الآخر بالغ كثيراً في التنصّل عن أصل التأويل فوقع في التعطيل !
وهكذا انتهى الأمر بين التجنّي والتعطيل ، مما سبّب خسارة علمية كبيرة على امتداد قرون لازلنا ندفع ثمنها باهظاً بسبب نشوء مدارس تأويلية أخذت مساحتها وأُفقها في الأوساط العلمية ، بل إن البعض منها شكَّلت مرجعية ، وأُخرى أصبحت مُدوّناتها مصادر أساسية ترسم للآخرين حركتهم العلمية في مجال التأويل .
وهذا ما يجعلنا نُؤكّد ما ابتدأناه من أهمّية بل ضرورة الوقوف على المبادئ الأساسية أو الخطوط البيانية للتأويل فضلًا عن ذلك في التفسير .
إن ما ندعو إليه من إعادة قراءة المصادر التأويلية وفق المبادئ الأساسية والخطوط البيانية للتأويل إنما هي دعوة تصحيحية للنتاج المتراكم والفاقد لهويّته الصحيحة ، وأيضاً هي دعوة لرسم الملامح الحقيقية للمرجعية في التأويل فضلًا عن دعوتنا القديمة والمستمرّة لمرجعية منهجية في التفسير تعتمد المناهج المعتبرة وتلتزم بالمبادئ الأُولى والخطوط البيانية للتفسير .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 446
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٤٦