تفوّق المُعطى العقلي على المُعطى النصّي - أعني مساحة الأخذ به عالمياً وتأريخياً - هو أن المعطى العقلي قد تجاوز إشكالية رفض الآخر ، بخلاف ما عليه الحال في المُعطى النصّي - أعني : قراءاته - الذي لازال مُتلكِّئاً وسلحفاتيَّ الحركة باتّجاه الآخر ، لقد عاش النصّ أزمة القراءة الواحدة والمعنى الواحد لقرون عديدة نتج عنها تخلّف فاحش وقطع للأواصر بين أصحاب الاتّجاه الواحد والفكر الواحد في خطوطه الأساسية .
من هنا نجد من المناسب التركيز على أهمّية القول بتعدّد المعنى للخروج بالنصّ من سبات عميق فرضته سياسات متخلّفة ومغرضة ، وسوف تكون لنا عودة أخرى لإرساء هذه الفكرة القرآنية من خلال كلمات تراجمة الوحي الأئمّة الطاهرين عليهم السلام ، فانتظر « 1 » .
الزاوية الثامنة : وحدة النصّ ووحدة الموقف
قد يبدو لأوّل وهلة أنَّ هنالك نوعاً من التهافت بين القول بتعدّد المعاني وبين القول بوحدة النصّ ، ومن هنا ينبغي لنا التفريق أوّلًا بين ما نلتزم به من القولين معاً ، أعني : تعدّد المعاني ووحدة النصّ ، ولكي نفهم حقيقة الموقف لابدَّ لنا من التعرّض للنقاط التالية :
1 . إنَّ موضوع التعدّد وموضوع الوحدة مُتباين ، فموضوع التعدّد هو نفس المفردات والبناء الجُملي ، وموضوع الوحدة هو القرآن نفسه ، فنحن لو أخذنا آية معيّنة من قبيل قوله تعالى : . . . فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( النحل : 43 ) ، فإنها تحتمل عدّة معانٍ ، فأهل الذكر هم أهل الكتاب وهم أهل البيت عليهم السلام وهم أهل العلم ، وهم أهل الاختصاص والحِرَف أيضاً ، ولكن هذه الآية الكريمة لا يُمكن فهمها بشكل دقيق إلا من
هامش
( 1 ) سيأتي الكلام عن ذلك في تذييل هذا الفصل وتفريعاته . .