ونتاجه الفكري في لوي عنق النصوص الشرعية الثابتة باتّجاهات أخرى يحيد بها عن الحقّ إمّا لطمع بمال أو بجاه أو بمقام دنيوي أو لخوف على ذلك ، أو لجبن انطوى عليه قلبه ، فهو ممّن يُخاطب بقوله تعالى : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ( النساء : 46 ) ، وغداً يقال عنه : هذا الذي نزل فيه ( يُحَرِّفُونَ . . . ) .
إنَّ هذه العصرنة الحقيقية للنصّ القرآني إنما تنسجم تماماً مع مقولة التعدّد في المعاني بشكل واضح لا نحتاج معه للوقوف طويلًا ، والمظنون هو التزام المحقّقين بذلك ، فهو مقتضى النصوص الروائية فضلًا عن انطباقه مع طريقة الخطاب القرآني ، ولنا أن نُذكِّر برواية عن الإمام الصادق عليه السلام يُخاطب فيها أبا بصير
( . . . لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية ، مات الكتاب ، ولكنّه حيّ يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى ) « 1 » .
الزاوية الخامسة : تعدد المعاني ومراتبية الفهم
لا ريب بأن تعدّد المعاني موجب لتعدّد التصوّرات والتصديقات وبالتالي يتعدّد الفهم للنصّ الواحد ، وذلك لأن النصّ الواحد على فرض تفرُّد معناه فإنه وبحسب الاستقراء للمصنّفات التفسيرية نجده يأخذ وجوهاً عديدة ، بمعنى أن النصّ الواحد المُتفرِّد فيه قابلية التعدّد في الفهم ، وبذلك يكون من باب الأولوية وقوع التعدّد عند الالتزام بأصل التعدّد في المعاني .
ومن هنا يتعيَّن علينا أن ننطلق من هذا الوعي القرآني في قراءة النصِّ الديني عموماً والقرآني خصوصاً ، ولكن مع مُراعاة المناهج التفسيرية الصحيحة والمعتبرة في القراءة لكي لا تعمّ الفوضى ، وهذا واضح .
وما نعنيه بمراتب الفهم ليس أصل التعدّد فحسب فذلك أمر مفروغ منه في أصل التفرُّد فضلًا عن أصل التعدّد ، وإنما عنينا الطولية في ذلك ، وهذه
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 192 ، ح 3 . .