تفسير
القرآن بالقرآن ، بل نلتزم به - كما أشرنا إلى ذلك في مقدّمات هذا الكتاب - ولكن الذي نرفضه هو نفس القسر وإلصاق المعنى الواحد بالآية الكريمة ، ولا يبعد أن يكون هذا التفرُّد والإلصاق ضرباً من ضروب التفسير بالرأي .
وعلى أيّ حال ، فما نلحظه في أصل التعدّد في المعنى هو الدعوة الإلهية القرآنية إلى بسط النفس والعقل ، وجذبهما إلى الوجود المطلق الذي تجلّى الله تعالى فيه ، فتتنفَّس النفس ويتلمَّس العقل أُفق المطلق .
إنَّ الثقافة العامّة التي تحرّك الجمع الأكبر من بني الإنسان والتي تدور في أُفق المادّيات والمعنويات على التفرُّد والتشخّص العيني الأُحادي في عالم الإمكان ناشئة من قصور حادٍّ في الفهم ، إنها ثقافة السماء الواحدة والأرض الواحدة وآدم الواحد ، مع أننا نُطالع في روايات أهل البيت عليهم السلام غير ذلك البتّة ؛ فعن جابر بن يزيد ، قال : ( سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عن قوله عزّ وجلّ :
أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ، قال عليه السلام : يا جابر . . . لعلّك ترى أنَّ الله إنما خلق هذا العالم الواحد ، وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم ، بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالم ، وألف ألف آدم ، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين ) « 1 » .
أقول : فكيف بالقرآن الكريم وقد تجلّى فيه الكمال المطلق ؛ عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال
: ( لقد تجلّى الله تعالى لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون ) « 2 » ،
ومن هنا لابدّ لنا أن ننطلق وفقاً لهذه الرؤية المنفتحة ونغترف من الفيض القرآني بقدر استعداداتنا المحدودة ، والحذر الحذر من التجنّي على النصّ القرآني وحصره في بوتقة واحدة ، فذلك - كما نبّهنا - ضرب من ضروب التفسير بالرأي .
هامش
( 1 ) التوحيد ، والآية : ق : 15 .
( 2 ) تفسير كنز الدقائق : ج 1 ، ص 55 . .