وينبغي أن يُعلم بأن هذه الدعوة القرآنية للتأمّل لا تنحصر بموضوعة التعدّد وإلا وقعنا في الشَّرَكِ نفسه ، وإنما التعدّد نافذة أساسية لذلك ، ولعلّنا نقف على نوافذ أُخرى في السطور القادمة بحسب ما يقتضيه البحث .
الزاوية الرابعة : تعدد المعاني عصرنة للنص
كنّا قد بينّا في بحث سابق « 1 » أنّ كلّ آية لها بعد آفاقي وآخر أنفسي في كلّ عصر ومصر ، وأنّ الحقيقة القرآنية التي تؤسّسها المضامين القرآنية العالية والتي تؤكّدها السنّة الشريفة هي استمرار دائرة الانطباق ، بمعنى أنّ المصاديق البارزة للنصّ القرآني لا تغلق دائرة الانطباق وأن المصاديق اللاحقة لا تدخل من باب المجاز وإنما هي مصاديق حقيقية فعليّة ، ويظهر لنا ممّا تقدّم - وفقاً للمنهجة القرآنية - أنّ الإنسان في كلّ زمان ومكان مقصود في الخطابات القرآنية الواصلة إليه ، وبذلك لابدّ أن يكون مصداقاً داخلًا في حريم جملة من النصوص القرآنية ، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( الإنسان : 3 ) .
إنَّ عدم انحصار دائرة الانطباق في كلّ سورة وآية وكلمة هو الحقيقة القرآنية الراسخة التي لا ينبغي التنصّل عنها أبداً ، فالقرآن الكريم ( ظاهره أنيق وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ) « 2 » ، وعدم انحصار دائرة الانطباق في النصّ القرآني زمكانياً ينسجم تماماً مع حقيقة كون النصّ القرآني مأخوذاً بنحو القضية الحقيقية لا الخارجية أو الشخصية ، فالذي يبذل جهده وماله في حرب أولياء الله الصالحين يأتيه الخطاب القرآني بنحو الحقيقة لا المجاز بقوله تعالى : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( المسد : 1 ) ، والذي يبذل علمه
هامش
( 1 ) ورد ذلك في ذيل الفصل الثاني من الباب الأوّل من الكتاب تحت عنوان : عصرنة النصّ .
( 2 ) نهج البلاغة ، للإمام علي عليه السلام ، شرح ابن أبي الحديد : ج 1 ، ص 288 ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، نشر دار إحياء الكتب العربية ، سوريا . .