وبذلك نخلص إلى أن أصل التعدّد لا يقترن ضرورةً بتعدّد الهدف ، وإنما قد يكون حاكياً عن التوحّد ، بل ومؤكّداً له ، هذا بالنسبة للمتون غير الدينية ، وأما بالنسبة للنصوص الدينية الصحيحة ، والتي يقع في طليعتها القرآن الكريم ، فإنها أسمى من ذلك كلّه وفقاً لما تقدّم ، وما سنقف عنده عملياً ، من أن القرآن برمّته كلّ آية آية منه تحمل بذوراً للتمهيد وللموادّ الأوّلية التأسيسية وللنتائج .
بخلاف ما عليه الحال في مثالينا العلمي والحسّي على خلفية التوحّد ، فقسم التصوّرات كان وسيبقى هدفاً أوّلياً ابتدائياً ، وهو عاجز تماماً عن أداء وظيفة التصديقات ، فضلًا عن وظيفة الصناعات ، ولكن الآي القرآني يختلف تماماً ، وقد اتّضح ذلك « 1 » .
الزاوية الثانية : تعدد المعاني إثراء للتمهيد والمواد والنتائج
بعد أن اتّضح لنا - نظرياً وبصورة إجمالية - المراد من التمهيد والموادّ الأساسية والنتائج ، نحتاج أن نقف عند نكتة مهمّة جدّاً ، وهي علاقة هذه الأُمور الثلاثة بتعدّد المعاني ، فكيف تكون الحركة العلمية للآية الواحدة في صورة كونها مُمهِّدة وهي تحمل معاني متعدّدة ؟ وهكذا الحال في صورة كونها تُشكِّل مادّة أساسية أو نتائجية بلا فصل ؟
الواقع هو أن هذا التعدّد لا يُشكِّل عائقاً بقدر ما يُشكّله من امتياز تُثرى به العملية التفسيرية والتنوّع الوظيفي لكلّ آية ، سواء كانت مُمهّدة أم مادّة أم نتيجة ، فإن التمهيد إذا اتّخذ قالباً واحداً فإن حدود الاستفادة منه سوف تكون محدودة أيضاً بحدود ذلك القالب ، وهذا التحديد الوظائفي إنما يبتني على
هامش
( 1 ) هذا الأمر الجليل والخطير سنقف عليه عملياً عند الوصول إلى فصول التفسير الموضوعي من آية الكرسي ، في الباب الثاني من الكتاب ، وسوف تكتمل الصورة تماماً - بإذنه تعالى - عند الصياغات النهائية لمباحث تأويل هذه الآية الكريمة . منه ( دام ظله ) . .