تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨

خلفية التوحّد . . . مثال حسّي

لو نظرنا إلى أعضاء جسد الإنسان فإنها تؤدّي وظائفها بطريقة مزجية تراكبية ، فهي مستقلّة من حيث خصوصياتها الذاتية ، فالباصرة غير السامعة ، والذائقة غير الشامّة ، والقاضمة غير الهاضمة ، و . . . إلخ ، وهذه الخصوصيات انعكاس لوظائفها الأوّلية الابتدائية . ولكن هذا الاستقلال النسبي لا تنهض به بعضها بمعزل عن بعض ، فهي تتحرّك فطرياً أو غريزياً باتّجاه غايات أهمّ تتوحّد فيها شيئاً فشيئاً ، يُمكن تسميتها بالوظائف المتوسّطة ، وهذه الغايات هي الأُخرى تتوحّد لتلتقي عند الغاية النهائية الأسمى وهي حفظ بناء الإنسان والتي غالباً ما يغفل الإنسان عن النظر إلى ما هو أشرف من هذه الغاية النهائية ، ونعني بذلك الهدف من وراء ذلك كلّه لكي يتميَّز الإنسان عن الأحياء المادّية الأُخرى ، وهو الهدف الذي نُطلق عليه عنوان الوجود الغائي والذي يُمكن التعبير عنه - انطلاقاً من رؤيتنا الكونية الإلهية - برضوان الله تعالى ، أي إنّ الغايات الابتدائية والمتوسّطة والنهائية تنصهر جميعاً في بوتقة غاية الغايات وسرّ الحركة الوجودية للإلهيين وهي تحصيل رضا الله تعالى . إذا اتّضح ذلك فاعلم بأن كلّ آية قرآنية لها هدف أوّلي تنطلق مقدّماته من حروف ومفردات الآية وتركيبها الجُملي ، ثمَّ يتحرّك هذا الهدف الأوّلي الابتدائي باتّجاه هدف متوسّط يلتقي فيه مع آيات أُخرى - عادة ما تكون من نفس السورة - ثمَّ يتحرّك الوجود المجموعي باتّجاه هدف نهائي أسمى وهو تحديد الموقف القرآني من موضوع الآيات والسور ، ثمَّ يتوقّف الوجود النظري بغايته النهائية هذه لتنطلق الغاية الأسمى من كلّ ذلك وهو الالتزام والعمل طبقاً للموقف القرآني ، والذي يُمكن أن نُعبّر عنه بالوجود الغائي الأخير الذي تنتهي عنده كلّ الغايات الأوّلية والمتوسّطة والنهائية .