كلّه تمهيدات وكلّه موادّ وكلّه نتائج ، لا أنَّ بعضه تمهيدات أو موادّ أو نتائج ، ولذلك فمن هنا يتبيّن لنا وجه آخر لوحدة وترابط القرآن الكريم غاب عن لحاظ الآخرين ، وأنّى لهم ذلك .
من خلال هذه المقدّمة المعرفية التأسيسية سوف ننطلق إلى إضاءة زوايا خفيّة أُخرى يستبطنها معنى الوحدة والترابط القرآني ، ولا نكون بعيدين في ذلك عن التفات النصّ القرآني لأنه كما فهمنا تِبْيَان لكُلِّ شَيْءٍ بالنحو المتقدّم ، ولعلّنا من خلال ذلك سوف نستشرف حركتنا التفسيرية المتماشية مع حركة النصّ .
الزاوية الأُولى : تعدد المعاني تأكيد لوحدة النص
لا ريب في وقوع ظاهرة التعدّد في المعاني ، سواء كان ذلك من باب الاشتراك اللفظي أم باب المنقول أم من باب الحقيقة والمجاز « 1 » ، وأن هذه الظاهرة اتُّخذت كذريعة للطعن في وحدة النصّ القرآني ؛ لما هو واضح من وقوع التفاوت بين التعدّد المعنوي ووحدة النصّ .
ولكن الصحيح هو أن هذا التعدّد يُعتبر مؤشّراً حقيقياً على أصل وحدة النصّ لا على تناثره ، فإن النصّ القرآني بوحدته الكلّية يشتمل على معانٍ غير متناهية ، لما تقدّم من أن القرآن الكريم مطالبه مزجية تراكبية ، ولما سيأتي من أن النصّ القرآني كلّه تمهيد وكلّه موادّ أساسية وكلّه نتائج .
فهذا التشظّي الظاهري في معاني النصّ هو توحّد في رسم البناءات العلوية للنصّ ، وهنا نودّ تقريب ذلك بمثال علمي وآخر حسّي تتميماً للفائدة .
خلفية التوحّد . . . مثال علمي
لنأخذ مادّة علمية عقلية مُتّفق على مبادئها وفصولها ومسائلها ، وهي
هامش
( 1 ) يُراجع في بيان حدود هذه المفاهيم كتاب : المنطق ، للمظفر : ج 1 ، ص 36 . .