وحدة القرآن وترابطه
ينبغي أن يُعلم بأنَّ القرآن الكريم ليس فصولًا دراسية مستقلّة ، كما أنه ليس فصولًا ارتقائية تبدأ في مراحل تمهيدية ثمَّ تبتني الموادّ الأساسية عليها لينتهي البحث إلى النتائج المتوخّاة من التمهيد والموادّ ، وإنما القرآن الكريم عبارة عن مطالب مزجية تراكبية ، بمعنى أن آياته الكريمة تنهض بوظائف مختلفة ، فالآية الواحدة فيها قابلية التمهيد ، وقابلية الكون في البُنى التحتية لمطالب مختلفة ، وقابلية رسم الموقف الأوّلي والمتوسّط والنهائي للقرآن الكريم ، وهنا تكمن عظمة النصّ القرآني التي نبَّه لها الإمام علي عليه السلام في قوله :
( . . . ولا تنقضي عجائبه ) « 1 » .
هذا ، ولا يبعُد أن يكون أحد وجوه قوله تعالى : . . . وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ( النحل : 89 ) هو أنه فيه تبيان للتمهيد والموادّ والنتائج ، ولعلّ من لطائف القول المؤيّد لهذا الوجه الفريد : الإشارة للتمهيد بكلمة : ( هُدًى ) ، وللموادّ بكلمة : ( رَحْمَةً ) ، وللنتائج بكلمة : ( بُشْرَى ) ، ثمَّ تُنبِّه الآية الكريمة إلى حصر تحصيل ذلك بمن سلَّم الأمر لتلك الوظائف القرآنية ، وهو قوله : ( لِلْمُسْلِمِينَ ) ، فإذا كان الأمر كذلك فكيف تنقضي عجائبه ؟
ولعلّ من نافلة القول : أنَّ العجز التامّ عن الإلمام بالقرآن لغير المعصوم ناشئ من عدم المكنة من استنفاد تمهيداته وموادّه ونتائجه بعدما اتّضح بأنه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 89 ، ص 25 ، ح 25 . .