الحج . فكان من الناس من أهدى ، فساق الهدي ومنهم من لم يهد .
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله مكة ، قال للناس : " من كان منكم أهدى ، فإنه لا يحل
من شئ أحرم منه حتى يقضي حجته . ومن لم يكن معه هدي ، فليطف بالبيت
وبين الصفا والمروة ، وليتحلل ، ثم ليهل بالحج وليهد ، فمن لم يجد هديا
فليصم ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله "
وطاف ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وآله حين قدم مكة ، فاستلم الركن أول شئ ، ثم
هامش
( 1 ) ويسمى هذا الطواف طواف قدوم ، لأنه أول طواف يقع للقادم بمكة بعد
الاحرام ، قوله : ( فاستلم الركن أول شئ ) فيه دلالة على وجوب ابتداء الطواف من الركن
والمراد به ، الركن الذي فيه الحجر ، قوله : ( ثم خب ثلاثة أشواط ) المراد بالخب
الاسراع في المشي ، ويسمى الرمل ولهذا قالوا " يستحب في طواف القدوم ، أن يرمل
ثلاثا ، ويمشى أربعا ، تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله فإنه صلى الله عليه وآله فعل ذلك في هذا الطواف
قوله : ( ثم ركع ) يعنى صلى ركعتي الطواف ، عبر عنها بالركوع ، لأنه جزء منها فهو
تسمية الشئ باسم جزئه ، قوله : ( فطاف ) أي سعى ، عبر عن السعي بالطواف ، لان الله تعالى
سماه طوافا ، في قوله تعالى ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) قوله : ( وأفاض ) أراد به
المضي بعد قضاء مناسك منى إلى مكة ، لطواف الزيادة ، وسمى ذلك إفاضة ، لكثرة الناس
وازدحامهم في ذلك اليوم ، ولهذا يسمى طواف الزيارة طواف الإفاضة .
ويصير معنى التمتع ههنا : هو الاتيان بإحرام العمرة وأفعالها قبل الحج ، الا انه
لا يتحلل منها وهذا التمتع أيضا قران من وجه ، لأنه قرن فيه بين احرام العمرة واحرام
الحج ثم أتى بأفعال العمرة أولا ، فلما فرغ منها ، أتى بأفعال الحج ، فقرن بينهما بلا تحلل
فأما التمتع الصرف ، فهو الذي يتحلل بين الاحرامين ، بأن يحرم بالعمرة خاصة ، فإذا
قضى مناسكها وتحلل منها بالتقصير ، أنشأ احراما آخر بالحج .
ومقتضى هذا الحديث أن الأول فرض من ساق الهدى عند احرامه من الميقات
والثاني فرض من لم يسق ، ويصير معنى قوله صلى الله عليه وآله في الحديث المتقدم
( لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ) دالا على أن التحلل بين الاحرامين
أفضل ، لتأسفه على فواته ( معه ) .