ابن جاره إذا مرض لا يُسرع به إلى الطبيب ، حتّى ولو كان الولد يتيماً أو فقيراً أو . . . ولعلّ ابن جاره أحوج من ابنه بعشرات المرّات ، ولكن كلّ ذلك لا يدفعه ولا يحرّكه نحو أخذه إلى الطبيب .
وفي بعض البلدان يرمي الناس آلاف الأطنان من القمح في البحر لترتفع أسعارها ، مع العلم أنّ هناك الملايين من الناس بحاجةٍ إليها .
والإسلام لا يريد القضاء على هذه النزعة الفرديّة ، بل يريد وضع القوانين والقواعد . وهذا معنى ما ذكرناه : بأنّ الاعتبارات أمورٌ ناشئة من الحقيقة لأجل تحقيق نوع من الكمال والحقيقة ، ولولا هذه الاعتبارات لا يمكن للإنسان أن يصل إلى كماله .
وأمّا العلاقة بين الإدراكات الحقيقيّة والإدراكات الاعتباريّة في عمليّة الاستنتاج ، فعطفاً على ما تقدّم نقول : إنّ الإدراكات الحقيقيّة تحكمها مجموعة من القواعد ، أشرنا إليها في بداية هذه الأبحاث في مقدّمات علم الأصول ، حيث قلنا بأنّ نسبة المحمول إلى الموضوع تنقسم إلى قسمين :
القسم الأوّل : أن يكون الموضوع بنفسه ، وبقطع النظر عن كلّ شيء ، علّةً لحمل المحمول عليه ، وهذا النوع من الموضوعات ، وهي الإدراكات الحقيقيّة تتميّز بالأمور التالية :
أوّلًا : أنّ المحمول ذاتيٌّ بالنسبة إلى الموضوع .
ثانياً : أنّ المحمول دائميٌّ بالنسبة إلى الموضوع .
ثالثاً : أنّ المحمول ضروريٌّ بالنسبة إلى الموضوع ، وينتج اليقين بالمعنى الأخصّ . القسم الثاني : الإدراكات الاعتباريّة غير الحقيقيّة ، وهي التي لا تكون النسبة بين الموضوع والمحمول فيها كالنسبة القائمة في القسم الأوّل ، وهذه على صنفين :
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 449
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٤٩