تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
ناشئ عن حقيقة ، وما لم يقل فيه بالوجوب لم يكن ناشئاً عن حقيقة . فالاعتبارات الموجودة عندنا - أعمّ من أن يكون الواضع لها هو الوحي أو الإنسان - وكلّ القوانين التي تُعتبر في المجتمعات ، ناشئة من حقائق هدفها إيصال المجتمع إلى كماله وسعادته ؛ وذلك من قبيل قوانين المرور ، فهذه توضع لأنّها تحقّق سعادة الإنسان ، وتنظّم أموره في الدنيا . ولا يرد على العلّامة الطباطبائي : بأنّه من خلال نظريّة الاعتبار لم يُبقِ شيئاً من الشريعة ، وأنّ الشريعة كلّها صارت اموراً اعتباريّة ، فليس الأمر كما يراه البعض من تفسير خاطئ لكلامه ؛ لأنّ المسألة في واقعها أنّه لا يحقّ لأحدٍ أن يعتبر ما يشاء وكيفما يشاء . . . وهذا ما يدخل في إطار الاعتبارات الجزافيّة ، وليس هذا مراده ( قدس سره ) . فالمقنّن والمشرّع عندما وضع الاعتبار الأوّل لا يمكن أن يضع بعد ذلك اعتباراً ثانياً مناقضاً له أو متضادّاً معه ، ويبدّل الاعتبار الأوّل بالثاني دون وجود متغيّرات في الظروف والأحوال ، وحتّى لو فرضنا كون المقنّن سفيهاً فلا يمكنه تغيير الاعتبارات إذا كان بينها تضادّ وتناقض واقعيّ ، ولا يمكنه أن يجعل الأبيض أسود ولا العكس . أمّا المتضادّان في الأمور الاعتباريّة فيمكن اجتماعهما لأنّهما من الأساس غير موجودين في الخارج ، وخير دليلٍ على الإمكان هو الوقوع ، وقد صدرت - على سبيل المثال - من الحكّام الظلمة تشريعات متضادّة . وهذا يكشف عن كون التضادّ في الاعتبار ممكناً وواقعاً ، بخلاف التضادّ في التكوين فإنّه غير ممكن وغير واقع أصلًا . قال الطباطبائي في تفسيره : « وهذه المعاني الاعتبارية وإن كانت من عمل الذهن من غير أن تكون مأخوذة من الخارج ، فتعتمد عليه بالإنطباق ، إلّا أنّها معتمدة على الخارج من جهة أخرى ؛ وذلك أن نقص الإنسان - مثلًا - وحاجته إلى كماله الوجودي ونيله غاية النوع الإنساني ، هو الذي اضطره إلى