وفي النتيجة نقول : ينبغي لنا في علم أصول الفقه أن تكون أوّل مسألة من موارد بحثنا ، هي القول : بأنّ المحمولات في المسائل الأصوليّة اعتباريّة كما فعل السيّد السيستاني الذي اعترف بأنّها كلّها اعتباريّة . ولكن كما ذكرنا فإنّه عندما دخل إلى مسائل علم الأصول ، تعامل معها تعامل الحقائق وأجرى فيها نفس المنهج والقواعد التي تجري في الحقائق .
اللّهم إلّا أن يقال دفاعاً عنه بأنّه : مع كونه يعتقد بأنّ علم الأصول علمٌ اعتباريّ ، ولكنّه يعتقد بأنّ قواعد الحقائق تجري أيضاً في الاعتبار ، ولكن عليه أن يثبت ذلك أوّلًا قبل الدخول في الأبحاث الأصوليّة .
وإذا كانت الأبحاث الأصوليّة من الاعتباريّات ، لا يمكن إجراء قواعد العلوم الحقيقيّة فيها مثل الدور والتسلسل والعلّة والمعلول والشرط والمشروط ، هذه كلّها لا تجري في العلوم الاعتباريّة . والقاعدة التي تجري في العلوم الاعتباريّة هي قاعدة اللغويّة ، وإذا لزم من الاعتبار لغويّة نقول حينئذٍ : بأنّ هذا الاعتبار غير تامّ ، وإذا لم يلزم منه اللغويّة ، وكان يحقّق الفائدة والغرض والنتيجة الجيّدة لتحقيق كمال الإنسان ، فالاعتبار صحيح .
يقول الشهيد المطهّري في فقرة تحت عنوان : « ما هو سبيل ومنهج حركة الفكر في الاعتباريّات ؟ » : « العلاقة بين محمول القضيّة وموضوعها في الأمور الاعتباريّة فرضيّة واعتباريّة دائما - أي : لا تجري فيها أحكام الذاتيّة والضروريّة والكليّة ونحو ذلك - والفرض والاعتبار هنا أداة للوصول إلى هدف ومصلحة وغاية . والفرض الأفضل للوصول إلى الهدف والمصلحة هو المعتَ - بَر .
والمقياس العقلي الوحيد الذي يستخدم في الاعتبارات هو لغويّة وعدم لغويّة الاعتبار » « 1 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 533 .