والحقائق من زاوية منطقيّة ، ويتّضح أيضاً أنّ الأدلّة التي ترتكب هذا الخلط تفتقر إلى القيمة المنطقيّة ، سواءً ارتكن الباحث لإثبات الحقائق إلى الأمور الاعتباريّة ، كما هو الحال في أغلب أدلّة المتكلّمين ، الذين استخدموا بشكلٍ عامّ قاعدة الحسن والقبح وسائر المفاهيم الاعتباريّة ، مبتغين من وراء ذلك الإفادة بذلك في أبحاث المبدأ والمعاد ، وكما هو الحال في كثير من أدلّة المادّيين ، الذين حسبوا أنّ أحكام الأمور الاعتباريّة وسماتها صادقةٌ في الأمور الحقيقيّة ، أم ارتكن الباحث لإثبات الأمور الاعتباريّة إلى القواعد والأصول الخاصّة بالأمور الحقيقيّة ، وقد تقدّمت أمثلتها في المتن أعلاه ، نظير معظم الأدلّة التي تستخدم عادةً في أبحاث علم أصول الفقه » « 1 » .
النتائج المتحصّلة من البحث
وإتماماً للفائدة نشير إلى جملة من النتائج التي تحصّلت لدينا من البحث المتقدّم .
الأولى : إنّ الأحكام التكليفيّة ( كالوجوب والحرمة ) والأحكام الوضعيّة ( كالرئاسة والمرؤوسيّة والجزئيّة والشرطيّة ) وأيّ اعتبار من الاعتبارات التي أشرنا إليها فيما تقدّم ، سواء كانت اعتبارات ما قبل تحقّق الاجتماع والمجتمع ، أو اعتبارات ما بعد تحقّق المجتمع ، هذه كلّها ناشئة من أمور وإدراكات حقيقيّة ، والإنسان إنّما يعتبر هذه الاعتبارات لكي يحقّق من خلالها أموراً حقيقيّة . وعليه فإنّ وضع الاعتبار ليس أمراً جزافيّاً أو لغواً وما شابه ذلك .
نعم ، إذا كان الواضع غير حكيم ، فقد يصدر منه الجزاف واللغويّة ، ولكنّ الكلام هو في المشرّع والمقنّن الحكيم الذي يعتبر الوجوب وغيره لغرضٍ وفائدة ولغاية ، فقوله : هذا واجب وذاك ليس بواجب أو حرام أو . . .
هامش
( 1 ) أصول الفلسفة ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 530 - 532 .