هذه المصطلحات وقد تبنّاها العلماء وذكروها بأنّها قائمةٌ على أساس قواعد ومباني الإدراكات الحقيقيّة .
وعليه : إذا كان مرادهم البناء على مصطلحات القواعد والإدراكات الحقيقيّة ، واشترطوا استحالة الدور والتسلسل في العلل الحقيقيّة الفاعليّة والتكوينيّة ، فهل يمكن تطبيق ذلك في الحكم الشرعي ؟
اللّهم إلّا أن يقولوا بأنّ الموضوع والحكم الشرعي مَثلُه مَثل العلّة والمعلول الحقيقيّين ، وكلّ باحثٍ له الحقّ بذلك ، ولكنّنا نرى أنّهم من جهةٍ يقبلون بأنّ علم أصول الفقه وغيره من الاعتباريّات ، ومن جهةٍ أخرى يطبّقون عليها قواعد الإدراكات الحقيقيّة ؟ ! وهذا هو التناقض والتهافت في الأبحاث الأصوليّة والفقهيّة .
ولذا نرى أنّ تقدّم الشيء على نفسه ، والترجيح بلا مرجّح في الاعتباريّات ليس محالًا ، وإذا قلنا بأنّه في المركّبات الحقيقيّة إذا انتفى الجزء ينتفي الكلّ ؛ فلأنّ هذا الكلّ مركّب حقيقةً من هذه الأجزاء ، ولكن ليس بالضرورة إذا انتفى الجزء ينتفي الكلّ في الإدراكات الاعتباريّة ، ومع هذا يبحث الأصوليّون مطوّلًا في كون الصلاة كُلّا مركّباً من عشرة أجزاءٍ ، وكيفيّة انسجام ذلك مع قاعدة ( لا تعاد الصلاة إلّا من خمس ) ، والأمر واضح وسهل عند الالتفات إلى أنّ الكثير من الأجزاء التي نقول عنها بأنّها جزء في مركّب الصلاة تنتفي في قاعدة ( لا تعاد الصلاة ) وتبقى الصلاة مع انتفائها . وإلّا لو لم تكن صلاة فلماذا نقيم الصلاة من دونها وتبقى الصلاة من دونها صلاة .
وهكذا الحال في انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط ، حيث يقولون بأنّ المشروط بانتفاء الشرط ليس ضروريّاً في الاعتباريّات خصوصاً إذا كان ذلك من عند الشارع ، ومع ذلك نراهم يبحثون مطوّلًا في وضوء المستحاضة لبيان صحّة تقدّم المشروط ( الوضوء أو الغسل ) على الشرط ، وليس ذلك كلّه إلّا
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 442
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٤٢