مفهوم « حجّية القطع » . وليس المراد من ذلك العلم والقطع ، وبيان ذلك أنّه : نحن عندنا علم وهو انكشاف الواقع لنا ، وفي مرحلة لاحقة نقول : إنّه حجّة ، ومعنى ذلك : أنّ هناك واجباً تجاه هذا العلم وهو المشي خلفه . وهذا الوجوب في الخارج هو أمرٌ اعتباريّ وليس واقعيّاً ، وإلّا لو لم يكن إلى جانب العلم هذا القطع ، فإنّنا لا نتحرّك باتّجاه هذا الواجب .
وكذا الحال فيما لو علمنا بوجود حيوان مفترس على الباب ، وبمجرّد فتح الباب سوف يدخل هذا الحيوان ، وهذا علمٌ وأمرٌ واقعيّ ، ولكن وجوب الهروب منه ناشئ من كونه كمالًا وهو حفظ النفس ، وحفظ النفس يتوقّف على الهروب ، ومن هنا نوجِد مفهوماً وهو وجوب الهروب .
وهذا ما أراده الطباطبائي من القول : بأنّ « هذا الأمر ينبغي أن يُفعل أو ينبغي أن يُترك » قائمٌ على الاعتبار ، وما فهمه البعض من كلمات الطباطبائي بأنّه يعتقد بأنّ الحسن والقبح أمران اعتباريّان ، هو فهمٌ خاطئ ، لأنّ الطباطبائي لا يريد القول : بأنّهما أمران نسبيّان متغيّران ، بل اعتباريّان ، واعتبار كلّ واحد منهما مأخوذٌ من أمرٍ تكوينيّ .
وتوضيح ذلك بمثال الطفل الجالس أمام المدفأة الحارّة ، فلو أنّك قلت له ألف مرّة : لا تلمس هذا الشيء الحارّ بيدك ؛ لأنك ستحترق ، فهو لن يلتفت لكلامك إلّا بعد أن يضع يده على المدفأة ، وإذا احترق فإنّه لن يقترب منها مرّةً ثانية ، وسوف يرجع عنها . هذا الرجوع التكويني نعبّر عنه ب - « ينبغي أو لا ينبغي » ، ومنشؤه تشخيص كمال ، وهروب من نقص . وحتى نصل لتحصيل الكمال ، ولكي لا نقع بما وقع به الطفل نقول : ينبغي أو لا ينبغي .
وما كتبه الطباطبائي حول الاعتباريّات ، نرى من الضروري مطالعته ؛ نظراً لأهميّته في المباحث الأصوليّة ، وذلك باعتبار أنّ معظم العلوم ولاسيّما علم الأصول ، وعلم الفقه ، وعلم الأخلاقيّات ، أساسها في الاعتباريّات .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 428
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٢٨