فالإبداع بالمعنى الفلسفي من اختصاصات الله سبحانه وتعالى ، وهو الذي يوجد الأشياء على غير مثال سابق ، وهذا من الأبحاث المهمّة في العلم الإلهي ؛ إذ قد يستشكل البعض : بأنّ كلّ ما في عالم الوجود كان في عالم العلم الإلهي قبل الإيجاد ؛ لأنّ الله تعالى عالمٌ بالأشياء تفصيلًا قبل الإيجاد ، فما معنى القول بأنّه أوجد الأشياء على غير مثالٍ سابق ؟ فالسابق أين كان موجوداً ؟
فمن حيث حقيقة التشريع الإلهي : إذا أردنا التعرّف عليه ، لابدّ من التعرّف على سنخ التشريع القائم بين العقلاء ، وما هي الخطوات التي يقومون بها لأجل ذلك ، وهم أوّلًا : يشخصّون المصلحة ، وثانياً : تأتي إرادتهم ، وثالثاً : يصيغون القانون المناسب ، ورابعاً : الجهات المختصّة للإعلان في الجريدة الرسميّة ، وبعد ذلك ينتقلون إلى مرحلة الوصول والتنجّز ، وإلّا لو بقي ذلك إعلاناً في الجريدة ولم تنشره فلا قيمة له . وهذه المراحل نجدها كلّها في كلمات صاحب الكفاية وغيره ، ومنشأ ذلك هو التشريعات العقلائيّة .
الطباطبائي والإدراكات الاعتباريّة
يفصّل العلّامة الطباطبائي في مقالته السادسة في أصول الفلسفة الحديث حول الإدراكات الاعتباريّة بشكلٍ واضح ، ويبيّن حقيقتها ومعناها وأقسامها ؛ يقول ( قدس سره ) : « لدينا لونان متقابلان من الإدراكات : اعتباريّة ، وحقيقيّة . الإدراكات الحقيقيّة تمثّل ما ينعكس في الذهن وما يكتنفه في الواقع ونفس الأمر . أمّا الإدراكات الاعتباريّة فهي عبارة عن فروض يصطنعها الذهن البشري ، بغية سدّ حاجات الإنسان الحياتيّة ، فهي ذات طابع فرضيّ وجعليّ واعتباريّ ووضعيّ ، وليست لها علاقة بالواقع ونفس الأمر . ويمكن استخدام الإدراكات الحقيقيّة في البراهين الفلسفيّة أو العلميّة « الطبيعيّة أو الرياضيّة » ومن ثمّ استخلاص نتيجة علميّة أو فلسفيّة منها .