أمراً وضعيّاً اعتباريّاً لا يجري في متنه الأحكام الحقيقيّة إلّا أنّه في المكلّفين واسطة ترتبط بها الكمالات اللاحقة الحقيقيّة بسابقتها ، فهي وصلةٌ بين حقيقتين » « 1 » .
فالطباطبائي يرى أنّ التكاليف الشرعيّة وإن كانت هي في نفسها مجموعة من الاعتبارات - وقد بيّنا أنّ الاعتبار هو إعطاء حدّ أمرٍ حقيقيّ لأمر غير حقيقيّ - إلّا أنّها ناشئة عن حقائق وتترتّب عليها حقائق ، فلا يُعترض حينئذٍ عليه : بأنّ قوله : أنّ الحسن والقبح أمران اعتباريّان ، يعني أنّهما نسبيّان ؛ لأنّه يعتقد أنّهما ناشئان عن حقائق . ومن يعمل بهذه الأحكام الاعتباريّة يصل إلى كمالات حقيقيّة ، ويظهر ذلك في تجّسم الأعمال . فالصلاة وإن كانت عبارة عن مجموعة من الأمور الاعتباريّة ، ولكنّ نتيجتها تظهر في البرزخ وفي الحياة الآخرة ، وكذلك أكل مال اليتيم ، فإنّ حرمته وإن كانت اعتباريّة شرعيّة ، ولكنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ، حقيقتها أنّهم يأكلون ناراً في بطونهم ، وهذا ما أراده الطباطبائي بقوله : « ترتبط بها الكمالات اللاحقة الحقيقيّة بسابقتها ، فهي وصلةٌ بين حقيقتين » .
وبعد أن يوضّح العلّامة الطباطبائي مراده يقول : « لا ريب أنّ لنا علوماً وتصديقات نركن إليها » « 2 » ، فكلّ إنسان يعيش مع العلم ، فيأكل ويشرب وينام ، ويحبّ ويبغض ، ويهرب وينجذب على أساس العلم ، والذي يحرّك الإنسان ليس الواقع الخارجي ، بل المحرّك له هو علمه بالواقع الخارجي ، ولذا لو طُلب منك : بأن تنام في غرفةٍ مظلمة وإلى جانبك إنسانٌ ميّت ، فإنّك إلى الصباح لا تذوق طعم النوم ، وما إن تنجلي الظلمة حتى تجلس ولا ترى شيئاً
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 48 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 8 ، ص 53 - 54 .