بتعبير آخر : لو لم نحصل على ثمرةٍ من البحث الفلسفي غير هذه الثمرة الطيّبة ؛ لكان ذلك كافياً للحثّ على دراسة هذا الفنّ والوقوف على مسائله . قال تعالى : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيّبةً كَشَجرَة طَيّبة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَاءِ * تُؤْتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ بإذْنِ رَبّها ( إبراهيم : 24 و 25 ) .
والتدبّر في هذه الآيات يدلّنا أنّ المراد بالكلمة الطيّبة التي شبّهت بشجرةٍ طيّبة : هي كلمة التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا هو ، حقّ شهادته . ومن خلال الوقوف على المسائل الرئيسيّة للتوحيد ، يمكن الانتهاء إلى الأصول الأساسيّة الأخرى كالنبوّة والمعاد وغيرهما . قال تعالى : وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُواْ مَا أَنَزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيء ( الأنعام : 91 ) ، حيث نرى أنّ الآية المباركة تبيّن : أن من يقول : إنّ الله لم يُنزل وحياً وكتاباً ولم يبعث رسولًا ، لم يقدّر الله حقّ قدره ولم يعرفه حقّ معرفته « فدلّ ذلك على أنّ من لوازم الألوهيّة وخصائص الربوبيّة أن ينزّل الوحي والكتاب ؛ لغرض هداية الناس إلى مستقيم الصراط والفوز بسعادة الدنيا والآخرة » « 1 » ، وهذا معناه أنّ هناك تلازماً بين الربوبيّة العامّة له تعالى وبين إرسال الرسل وبعث الأنبياء .
وكذلك فيما يرتبط بالمعاد نجد القرآن يقول : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ( المؤمنون : 115 ) ، حيث بيّنت الآية : أنّ إنكار المعاد يستلزم أن يكون الخلق من الإحياء والإماتة عبثاً من غير هدف ولا غاية ، وحيث إنّ الله سبحانه ليس بعابثٍ ولا لاعب - كما تبيّنه الآيات الأخرى ؛ قال تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمواتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إلّا بِالْحَقّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( الدخان : 38 و 39 ) - إذن لابدّ أن يكون رجوعٌ وعودٌ إليه تعالى : يا أَيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبّكَ
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 7 ، ص 269 .